اخبار اليومصحةمشاهير

أنا نرجسي وأنتِ مريضة بالتعلق”: هل قتلنا “الحب” بمشرط الطب النفسي؟

بقلم: هند طه زيدان

لايف كوتش ومرشد نفسي وأسري

كنا قديماً نتشاجر، نبكي، نعاتب، ثم نصطلح. كانت علاقاتنا “إنسانية” جداً، فيها الخطأ والصواب، فيها القسوة واللين. لكن اليوم، يبدو أننا استبدلنا الدفء بالبرود، والعناق بالمصطلحات. أصبحنا نجلس في غرف المعيشة لا كأزواج وأحباء، بل كأطباء في مشرحة، يمسك كل منا بمشرطه النفسي ليشرح روح الآخر، ويضع عليها “ليبل” (Label) طبياً جافاً: “أنت نرجسي”، “أنتِ توكسيك”، “علاقتنا تعلق مرضي”.

الكلمات التي تذبح الود

هل فكرنا يوماً ماذا تفعل كلمة “نرجسي” في قلب رجل يحاول -بجهل أحياناً- أن يعبر عن حبه؟ أو ماذا يفعل مصطلح “مريضة تعلق” في روح امرأة كل ذنبها أنها تبحث عن الأمان في حضن شريكها؟

هذه المصطلحات ليست مجرد وصف، إنها “أحكام بالإعدام”. حين نشخص من نحب، نحن نتوقف عن رؤيته كإنسان، ونبدأ في رؤيته كـ “حالة”. وبمجرد أن يتحول الحبيب إلى “حالة”، يختفي التعاطف، ويموت الصبر، وينتهي الود. فنحن لا نحب “الحالات”، نحن نحب البشر بكل تعقيداتهم ونقائصهم.

الهروب إلى القاموس

نحن نلجأ لهذه الكلمات القاسية لأننا أصبحنا نخشى المواجهة الحقيقية. من السهل جداً أن أقول عنك “نرجسي” لأعفي نفسي من عناء فهم دوافعك، أو حتى مواجهة عيوبي التي أدت لرد فعلك. التشخيص هو “الحيلة الذكية” التي نستخدمها لنبدو مثاليين في دور “الضحية”، بينما الطرف الآخر هو “المريض” الذي يحتاج لعلاج.

لكن الحقيقة التي ألمسها يومياً في جلسات الإرشاد هي أن البيوت لا تُبنى بالتشخيصات، بل بالرحمة. الحب الحقيقي هو أن أقبل “نقصك” كبشر، لا أن أصنفه كـ “مرض” لأبرر رحيلي أو قسوتي.

حينما يتحدث القلب لا “التريند”

يا عزيزي، ويا عزيزتي.. خلف كل سلوك “مزعج” هناك احتياج غير ملبّى، وخلف كل صمت “توكسيك” هناك جرح قديم لم يلتئم. الوعي النفسي لم يُخلق لنحاكم به بعضنا البعض، بل لنفهم به أنفسنا أولاً، ولنمد جسور التراحم ثانياً.

بدلاً من أن تمضي سهرتك في البحث عن “علامات الشخصية السامة” لتقارنها بشريكك، جرب أن تنظر في عينيه وتسأله: “بماذا تشعر؟”. بدلاً من أن تكتبي مقالاً في رأسك عن “اضطراب الشخصية”، جربي أن تحتضني خوفه وتقولي له: “أنا هنا، وأنت أماني”.

خاتمة من القلب

العلاقات ليست “معملاً” للتحاليل، والقلوب ليست “حقول تجارب” لنطبق عليها ما نسمعه في “فيديوهات الدقيقة الواحدة”. لنعد إلى فطرتنا، إلى بساطة العتاب، وجمال الاعتذار، ورحابة القبول.

قبل أن تغلقوا الأبواب بمفاتيح “المصطلحات النفسية”، تذكروا أن أعظم علاج في تاريخ البشرية لم يكن كلمة في قاموس، بل كان دائماً وأبداً.. “المودة والرحمة”.

هند طه زيدان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى