الباب الموارب : علاقاتٌ تتذبذب على حافة اللا إكتمال

بقلم الكاتب الصحفي : أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب ✍🏻
في ليالي الشتاء البائدة ، كان الأجداد يهمسون بأن ” الباب النصفي ” يتسرب منه البرد أكثر من الباب المُشرَع ، كنا نعتقد أن حديثهم عن رياحٍ تتسلل من الفجوات ، لكنهم في الحقيقة كانوا ينسجون لنا مَثلًا عن العلاقات الإنسانية الهشّة :-
تلك التي تقف على عتبة ” اللامُحدَّد ” ، لا هي مُغلقةٌ تُحصِّن القلب من قسوة المشاعر ، ولا هي مفتوحةٌ تُشرِكُه في دفء اليقين . إنها المساحة الضبابية التي تتحول فيها الحياة إلى فضاء بلا ملامح ، تشعر فيها بالحرارة لحظةً ، ثم تدرك أن رعشات البرد تنبع من داخلك.
فالعلاقة المُبهَمة كالباب المُعلَّق بين إغلاقٍ وفتح ، تسمح بتسرُّب رياح الشك دون أن تعترف بأنك تقف في مهبّ العواصف . فيها تتشبث بأوهامٍ فارغة ، تُقنع نفسك بأن بينكما ” شيئًا ما ” ، لكنك تعرف في الصميم أن هذا ” الشيء ” بلا جذورٍ ولا اسم. ليس هو الحب الذي يمنحك القوة لمواجهة الحقائق ، ولا هو الفراق الذي يمنحك الشجاعة لطيّ الماضي .
إنه الفضاء المشوَّش حيث تتلاشى الكلمات قبل أن تُلقى ، وتُبادَل النظرات بأخرى لا تحمل سوى الفراغ. هنا ، تتحول التفاصيل البسيطة إلى جراح : رسالةٌ تائهة ، لقاءٌ مُلغى ، صمتٌ يُعلّق الأسئلة في الهواء ، كل شيءٍ يصرخ : ” أنت لستَ شجاعًا كفاية لتخطو ، ولا ضعيفًا كفاية لتنسحب “.
الأمر الأقسى أن هذا البرد لا يغزوك دفعةً واحدة ، بل ينساب إلى روحك رويدًا . تظن نفسك قابعًا في دائرة القرب من شخصٍ ما ، لكنك لا ترى الفراغ بينكما يتجمّد . تمر الأيام وأنت تُردد :-
” كل شيءٍ مقبول “، حتى تتفاجأ ذات يوم بأن قلبك صار غرفةً مهجورةً ، لا صدى فيها إلا لصوت السؤال المعلّق : ” ماذا نكون ؟ “. كلما طالت إقامتك عند هذا الباب النصفي ، زادت الهوة بين ما تحلم به وما تعيشه ، حتى يصير الحب طيفًا باهتًا ، والفراق كابوسًا لا يُطاق.
فلماذا نصرّ على البقاء في هذا المُستنقع ؟
لعل الخوف من مواجهة الحقيقة هو السيد هنا. فإغلاق الباب يعني الاعتراف بنهاية الوهم ، وفتحه يعني خوض معركة المشاعر الصادقة : حبٌّ يحتاج إلى التضحية ، أو فراقٌ يحتاج إلى دموع. أما التردد عند العتبة فهو الموت البطيء ؛ حيث تُراقب قلبك يتحول إلى حطامٍ وأنت تختلق الأعذار . كمن ينتظر الربيع تحت ثلوج الشتاء، لكنه يرفض أن يبذُر بذرةً واحدة.
في المحصلة ، الباب الموارب ليس ملاذًا ، بل هروبٌ من مواجهة الذات. قد تظن أنك تُنقذ قلبك بالتأجيل ، لكنك في الحقيقة تُعلّمه الجُبن .
الحياة أقصر من أن تهدرها في انتظار “ماذا لو”. إما أن تدفع الباب وتخوض غمار الحب بكل ما فيه من ألمٍ وأمل، أو تُغلقه وتستردُّ حريتك لتبني عالمًا جديدًا. البرد الخارجي قد يُؤذيك ، لكن البرد الذي ينبع من داخلك… سيُجمدُ كل نبضةٍ في صدرك.
لا تدع الشتاء يُسيطر على روحك.
فإختر : إمّا شعلةٌ تُذيب الجليد ،
أو شروقٌ يُنير ما تبقى من ركام.
سنلتقي إن كان في العمر بقيّة