الجمال الحقيقي هو عفَّةِ اللسانِ واليدِ والقلبِ والخيال

بقلم : [ أيمن شاكر ] رئيس قسم الأدب
إذا كان الجمالُ مرآةَ الروح ، فإنَّ أنبلَ صورِه لا تُرى بالعينِ ، بل تُدرَكُ بالقلبِ . فالجمالُ الحقيقيُّ ليس جمالَ الملامحِ أو الأجسادِ ، بل هو ألقُ الفضيلةِ ، وبهاءُ الأخلاقِ ، ونقاءُ السريرةِ . ومن هنا، تتشكَّلُ درجاتُ الجمالِ في سُلَّمٍ أخلاقيٍّ رفيعٍ ، تتصدَّرُه عفَّةُ اللسانِ واليدِ والقلبِ والخيالِ ، لتُكملَها أخلاقٌ طيِّبةٌ، وطباعٌ حليمةٌ، وفطرةٌ صادقةٌ ، وروحٌ شفّافةٌ تلامسُ الجمالَ في أعمقِ أعماقِهِ .
أولًا : عفَّة اللسان .. جمالُ الكلمةِ
اللسانُ ترجمانُ القلبِ ، وكلماتُه تُزيّنُ الإنسانَ أو تشينُه . فالعفَّةُ هنا ليست كفًّا عن الفحشِ أو البذاءةِ فحسب ، بل هي انتقاءُ الكلامِ الطيّبِ ، وتجنُّبُ الغيبةِ والنميمةِ ، والصدقُ في القولِ . قال النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ » فالكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ ، وجمالُها يُشرقُ كالنورِ ، يُذيبُ الجليدَ بين القلوبِ ، ويبني جسورَ المودةِ.
ثانيًا : عفَّة اليد … جمالُ الفعلِ
اليدُ العفيفةُ لا تمتدُّ إلى ما ليس لها ، ولا تؤذي الآخرينَ ، بل تتحرَّكُ بالبرِّ والإحسانِ . إنها يدٌ ترفضُ السرقةَ والظلمَ ، وتُمسكُ نفسَها عن البطشِ ، وتُشاركُ في البناءِ لا الهدمِ . وكما قال الشاعر :
وَيُعْطِي الْيَدَ الْجَمِيلَةَ مَا اسْتَعَادَتْ ** فَالْجُودُ مِنْ أَخْلاقِهِ الْأَصِيلَةِ
فاليدُ العفيفةُ جمالُها في عطائِها ، وفي نقائِها من أدرانِ الجشعِ والأنانيةِ .
ثالثًا : عفَّة القلب … جمالُ النيةِ
القلبُ العفيفُ كنزٌ لا يُقدَّرُ بثمنٍ . هو قلبٌ يَطهُرُ من الحقدِ ، ويَخلو من الغِلِّ ، ويَمتلئُ بالمحبةِ والتسامحِ . إنه لا يحملُ ضغينةً ، ولا يبتغي إساءةً ، بل يرى في كلِّ إنسانٍ أخًا. قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فجمالُ القلبِ العفيفِ أنَّه كالوردةِ ، يُزهِرُ بالعطفِ ، ويُعبِّرُ عن نقاءِ الروحِ .
رابعًا : عفَّة الخيال … جمالُ الفكرةِ
الخيالُ العفيفُ هو الذي يرفضُ أن يَستقرَّ فيه قبحٌ ، أو يُلوِّثَهُ وهمٌ . إنه خيالٌ يبتكرُ الآمالَ الجميلةَ ، ويصنعُ من الأحلامِ فنًّا ، ويحلقُ في آفاقِ الخيرِ. فكما يُقال : « الإنسانُ ابنُ أفكارِه » ، والخيالُ الطاهرُ يَصنعُ واقعًا جميلًا ، لأنَّه ينظرُ إلى الحياةِ بعينِ الجمالِ ، لا بعينِ العيبِ.
الخلقُ الحميدُ : الإطارُ الذي يجمعُ الجمالَ
لا يكتملُ الجمالُ إلّا بالخُلُقِ الطيّبِ ، الذي يجمعُ كلَّ هذه العفافاتِ تحتَ مظلَّتِه . فالحلمُ عند الغضبِ ، والصبرُ على الشدائدِ ، والتسامحُ مع الجاهلِ ، كلُّها ألوانٌ من جمالِ الروحِ . والإنسانُ الخلوقُ كالشجرةِ الظليلةِ ، يُؤْثِرُ مَنْ حولَه بالراحةِ ، ويُحيطُهم بظلِّ طيبتِه.
الفطرةُ الصادقةُ : جمالُ البساطةِ
الفطرةُ الصريحةُ هي جوهرُ الإنسانِ قبل أن تُلوِّثَها تعقيداتُ الحياةِ . إنها البساطةُ التي تُشبهُ نقاءَ الطفولةِ ، والصراحةُ التي ترفضُ النفاقَ . فالإنسانُ الفطريُّ لا يتكلَّفُ في تصرفاتِه ، ولا يلبسُ أقنعةً ، بل يُعبِّرُ عن نفسِه بصدقٍ .
الروحُ الشفافةُ : جمالُ الحساسيةِ
الروحُ الشفافةُ الحساسةُ هي التي تَشعرُ بآلامِ الآخرينَ قبلَ أن يُعبِّروا عنها ، وتَرقُّ لنداءِ الجمالِ في الكونِ . إنها روحٌ تُحبُّ الفنَّ ، وتَذرفُ الدمعَ على مأساةٍ ، وتَفرحُ لزهرةٍ تتفتحُ. حساسيتُها ليست ضعفًا ، بل قوةٌ تَمنحُها عمقًا في الرؤيةِ ، وقدرةً على إدراكِ ما لا يدركُه غيرُها .
خاتمة : الجمالُ الحقيقيُّ هُويَّةُ الروحِ
هكذا يصنعُ الجمالُ الحقيقيُّ مسكنَه في الإنسانِ : عفَّةٌ تَصونُه ، وأخلاقٌ تُكرِّمُه ، وقلبٌ يُحبُّه ، وروحٌ تُدركُه . إنه الجمالُ الذي لا يضمحلُّ بمرورِ الزمنِ ، بل يَتألقُ كلَّ يومٍ كالشمسِ . فليكن جمالُنا من داخلِنا ، ليُشرقَ على وجوهِنا ، ويجعلَ حياتَنا وحياةَ مَنْ حولَنا أجملَ .
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه