الحبٌ … ذلك الانجذابُ الغامضُ الذي يجعلُ الأرواحَ تلتقى في تناغمٍ عجيبٍ ، وكأنَّ الكونَ قد رتَّبَ لقاءَهما منذ الأزلِ
بقلم الكاتب الصحفى أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب
الحبُّ ذلك السرُّ الأزليُّ الذي حيَّر العقولَ وفتنَ القلوبَ ، فهو ليس مجردَ كلمةٍ تُقالُ أو عاطفةٍ عابرةٍ تُلمُّ بالقلبِ ثم تزولُ ، بل هو ذلك النورُ الخفيُّ الذي يهتدي بهِ الروحُ إلى جوهرِ الإنسانيةِ في إنسانٍ جميلٍ ، إنه اللمسةُ التي تُعيدُ للقلبِ نبضَهُ ، والنظرةُ التي تُحيي في النفسِ أعمقَ الذكرياتِ وأصدقَ المشاعرِ ، فما أقسى أن تحبَّ دونَ أن تُفهمَ ، وما أقسى أن تُفهمَ دونَ أن تحبَّ !
الحبُّ ليس ترفاً عقلياً ولا فلسفةً معقدةً ، بل هو ببساطةٍ ذلك الانجذابُ الغامضُ الذي يجعلُ الروحَ تلتقي بروحٍ أخرى في تناغمٍ عجيبٍ ، وكأنَّ الكونَ قد رتَّبَ لقاءَهما منذ الأزلِ . فهو ليس مجردَ
شعورٍ ، بل هو إدراكٌ عميقٌ لسرٍّ إلهيٍّ يجعلُ الإنسانَ يرى نفسَه في عينيْ آخرَ .
” فلستُ أفهمُ مِن معنى الحبِّ إلا أن الروحَ قد اهتدتْ إلى شيءٍ من سرِّ الإنسانيةِ في إنسانٍ جميلٍ “. نعم ، إنه الاهتداءُ إلى الجمالِ الحقيقيِّ ، جمالِ الروحِ قبلَ الجسدِ ، جمالِ الصدقِ قبلَ المظهرِ ” .
فكم من قلوبٍ عاشتْ طويلاً تبحثُ عن هذا السرِّ ، فتاهتْ في متاهاتِ الوهمِ ، أو علقتْ في شباكِ الشهوةِ الزائلةِ ، لكنها لم تدركْ أن الحبَّ الحقيقيَّ هو ذلك الذي يجعلكَ تشعرُ بأنك جزءٌ من كيانٍ آخرَ ، دونَ أن تفقدَ ذاتَكَ ، بل على العكسِ ، يجعلكَ تكتشفُ في نفسِكَ عوالمَ لم تكنْ تعرفُها من قبلُ . إنه ذلك الإحساسُ الذي يملأُ قلبَكَ طمأنينةً ، وكأنكَ قد عدتَ إلى موطنِكَ الأصليِّ بعدَ طولِ غربةٍ .
ولكن، أليس الحبُّ أيضاً ألماً ؟ بلى ، فهو ذلك الألمُ الجميلُ الذي يذكِّرُنا بأننا أحياءٌ ، بأن قلوبَنا ما زالتْ قادرةً على النبضِ ، وعلى الاختيارِ ، وعلى البذلِ ، فالحبُّ ليس أن تأخذَ ، بل أن تعطيَ دونَ حسابٍ ، أن تُضحِّيَ دونَ ترددٍ ، أن تكونَ حاضراً حتى في لحظاتِ الغيابِ ؛ إنه ذاكَ الشعورُ الذي يجعلُ الدموعَ حلوةً ، والصبرَ حلواً ، والانتظارَ حلواً ، لأنك تعرفُ أن في نهايةِ الطريقِ قلباً ينتظرُك ، وروحاً تتنفسُك .
وما أقسى أن تحبَّ ثم تفقدَ ، أو أن تحبَّ ثم تُخدَعَ ، أو أن تحبَّ ثم تكتشفَ أن الحبَّ كان وهماً ! لكن حتى هذا الألمَ هو جزءٌ من جمالِ الحبِّ ، لأنه يعلِّمُنا أن النقاءَ لا يموتُ ، وأن الروحَ تظلُّ قادرةً على العطاءِ ، مهما جرحها الزمنُ .
فالحبُّ الحقيقيُّ لا ينتهي بفراقٍ أو موتٍ ، بل يظلُّ كالنجمِ يضيءُ في سماءِ الذكرياتِ ، يذكرُنا بأننا كنا هنا ، بأننا عشنا ، بأننا أحببنا .
وفي النهايةِ ، قد لا نستطيعُ أن نضعَ للحبِّ تعريفاً جامعاً ، لأن كلماتِنا تعجزُ عن احتواءِ سحرِهِ ، ولكننا نعلمُ أنه ذلك السرُّ الذي يجعلُ الحياةَ تستحقُّ أن تُعاشَ ، فإذا كانَ الحبُّ هو اهتداءُ الروحِ إلى سرِّ الإنسانيةِ في إنسانٍ جميلٍ ، فأجملُ ما في الوجودِ أن تهتدي روحُك إلى روحٍ أخرى ، فتلتقيانِ في لحظةٍ من الزمنِ ، كأنهما كانتا تبحثانِ عن بعضِهما منذُ الأزلِ . وعندها ، ستدركُ أن الحبَّ ليس مجردَ شعورٍ ، بل هو وطنٌ ، هو حياةٌ أخرى تبدأُ حيثُ تنتهي كلُّ الكلماتِ.
فيا من وجدتَ قلبَكَ يهتدي إلى روحٍ أخرى ، احفظْ هذا الحبَّ كالندى فوقَ زهرةٍ ، فربما لن يأتي مرةً أخرى . ويا من فقدتَ حبيباً ، اعلَمْ أن الحبَّ لا يموتُ ، بل يتحولُ إلى نورٍ يسكنُ الذاكرةَ ، ويظلُّ يهمسُ في أذنِ الوجودِ : ” لقد عشنا ، لقد أحببنا ، لقد كنا هنا ” ….
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه