الحكم الأخطر هو ذلك الذي يُصدر بلا دليل

الحكم الأخطر هو ذلك الذي يُصدر بلا دليل
بقلم: دوقة لامبرتون نيفين الجمل
كل يوم، تُصدر ملايين الأحكام خارج قاعات المحاكم، دون قاضٍ، ودون هيئة محلفين، ودون دليل واحد تم التحقق من صحته.
نظرة عابرة، إشاعة، منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، عنوان صحفي، أو مجرد سوء فهم.
وأحياناً يكون الدافع أعمق من ذلك؛ غيرة، أو كبرياء، أو خوف، أو تحيزات خفية يحملها الإنسان في داخله دون أن يدركها.
لكن النتيجة غالباً واحدة:
تُبنى رواية كاملة، وتُفترض النوايا، ويُصدر الحكم قبل أن تُمنح الحقيقة فرصة للكلام.
في ثوانٍ معدودة تتشكل القناعة.
لقد منح الله الإنسان قدرة مذهلة على الملاحظة والاستنتاج واتخاذ القرار بسرعة، وهي قدرة ساعدت البشرية على البقاء عبر آلاف السنين. إلا أن هذه النعمة قد تتحول أحياناً إلى مصدر خطير للخطأ.
فالافتراضات تتحول إلى معتقدات.
والمعتقدات تتحول إلى أحكام.
والأحكام تتحول إلى أفعال.
والأفعال تصنع مصائر البشر.
إن كثيراً من أعظم المظالم التي عرفها التاريخ لم تبدأ بحقائق مثبتة، بل بدأت بافتراضات جرى التعامل معها وكأنها حقائق مطلقة.
كم من إنسان خسر سمعته؟
كم من أسرة تفككت؟
كم من مستقبل تحطم؟
وكم من روح أنهكها ظلم لم يكن له أساس سوى سوء الظن؟
لقد حذر القرآن الكريم من هذه الآفة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حين قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
سورة الحجرات – الآية 12
فالإسلام لم ينهَ فقط عن الظلم، بل نهى عن الطريق الذي يقود إليه، وهو سوء الظن والتسرع في الحكم على الناس.
وفي موضع آخر يضع القرآن قاعدة عظيمة للعدالة الإنسانية:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
سورة الإسراء – الآية 36
أي لا تتبع أمراً لا تملك عنه علماً أو دليلاً أو يقيناً.
ورغم ذلك، يبدو أن عصرنا الحديث أصبح أكثر عرضة من أي وقت مضى لخطر الأحكام المتسرعة.
فنحن نعيش في زمن التعليقات الفورية، والأخبار العاجلة، وردود الفعل السريعة.
المعلومات تنتشر بسرعة الضوء، لكن الفهم لا يسير بالسرعة نفسها.
أصبح كثيرون يشعرون بضرورة إبداء الرأي قبل جمع الحقائق، وإصدار الأحكام قبل سماع جميع الأطراف.
والأخطر من الحكم الخاطئ هو الإصرار عليه.
فالإنسان لا يجد دائماً سهولة في الاعتراف بخطئه.
الكبرياء والخوف من فقدان المصداقية قد يدفعانه إلى الدفاع عن استنتاج خاطئ حتى بعد ظهور الأدلة التي تثبت عكسه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
خطأ صغير يولد خطأ أكبر.
وافتراض واحد يقود إلى سلسلة من القرارات الخاطئة.
ثم تتحول الرواية المتخيلة إلى “حقيقة” في عقول أصحابها، رغم أنها تبتعد أكثر فأكثر عن الواقع.
والمفارقة أن الحكم الظالم لا يؤذي الضحية وحدها.
بل قد يدمر حياة من أصدره أيضاً.
فحين يصبح الإنسان أسيراً لقناعاته المسبقة، يفقد القدرة على رؤية الحقيقة.
وحين يصبح الدفاع عن الرأي أهم من البحث عن الصواب، يبدأ العقل في بناء جدران تعزله عن الواقع.
وهنا يدفع الجميع الثمن.
تتضرر العلاقات.
وتضيع الفرص.
وتنهار الثقة.
وتتأثر الصحة النفسية والجسدية.
وقد يصل الثمن إلى ضياع الوظائف والمكانة الاجتماعية والاستقرار الأسري وجودة الحياة نفسها.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في الإصرار على الرأي.
بل في القدرة على مراجعته.
فالاعتراف بالخطأ ليس ضعفاً.
إنه أحد أعلى درجات الحكمة والنضج الإنساني.
وقد أثبت التاريخ مراراً أن أكبر الكوارث لم تكن نتيجة الخطأ الأول، بل نتيجة الإصرار عليه بعد اكتشافه.
ولعل ما كشفه العلم الحديث عن القلب يضيف بعداً جديداً لهذه القضية.
فالقلب ليس مجرد مضخة للدم كما كان يُعتقد لقرون طويلة.
لقد أظهرت الدراسات الحديثة أن القلب يمتلك شبكة عصبية معقدة تتواصل باستمرار مع الدماغ، وتؤثر في الانتباه والإدراك والعاطفة واتخاذ القرار.
وهذا يذكرنا بحقيقة عميقة:
أن الحكم السليم لا يصنعه العقل وحده.
ولا تصنعه العاطفة وحدها.
بل يولد من التعاون بين العقل والقلب.
فالعقل يبحث عن الدليل.
والقلب يبحث عن الإنسانية.
العقل يزن الحقائق.
والقلب يفهم الظروف.
العقل يميز بين الصواب والخطأ.
والقلب يميز بين الضعف الإنساني والقسوة.
وعندما ينفصل أحدهما عن الآخر ينشأ الخلل.
فالعاطفة بلا عقل قد تتحول إلى اندفاع.
والعقل بلا رحمة قد يتحول إلى قسوة.
أما الحكمة الحقيقية فتولد عندما يعمل الاثنان معاً.
فكم من شخص حكمنا عليه من خلال جزء صغير من قصته؟
نرى السلوك ولا نرى المعاناة.
نرى النتيجة ولا نرى الطريق المؤلم الذي أوصل إليها.
قد يكون الموظف المشتت الذهن يرعى والداً مصاباً بالخرف.
وقد يكون الطالب المتراجع دراسياً يعيش أزمة مالية خانقة.
وقد يكون الشخص المنعزل يخوض معركة صامتة مع الاكتئاب أو الحزن أو المرض.
وقد يكون من نصفه بالضعف قد أمضى سنوات يحمل أعباء لا نستطيع حتى تخيلها.
الحكم ظاهر.
أما الحقيقة فكثيراً ما تكون مخفية.
ولهذا فإن العدالة الحقيقية لا تعني سرعة إصدار الأحكام.
بل تعني الصبر في البحث عن الحقيقة.
وتعني التواضع الفكري.
وتعني الاعتراف بأننا قد لا نملك جميع الحقائق.
إن الحضارات القوية ليست تلك التي تصدر الأحكام بسرعة.
بل تلك التي تفهم بعمق.
وليست القضية فقط كيف نحكم على الآخرين.
بل كيف نحكم على أنفسنا.
ففي نهاية المطاف، سيقف كل إنسان يوماً أمام ضميره، يراجع كلماته وأفعاله وقراراته.
وسيسأل نفسه:
هل كنت عادلاً؟
هل بحثت عن الحقيقة؟
هل استمعت قبل أن أحكم؟
هل أنصفت قبل أن أدين؟
وهنا نتذكر قول الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
سورة ق – الآية 18
وقوله سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
سورة النحل – الآية 90
وربما يبقى السؤال الأبسط والأكثر حكمة:
هل أعرف القصة كاملة؟
في معظم الأحيان ستكون الإجابة الصادقة: لا.
ومن هنا تبدأ الحكمة.
حين تتراجع اليقينيات المتعجلة.
ويحل الفضول محل الأحكام.
ويفسح التعصب مكانه للفهم.
وحين يعمل العقل والقلب معاً في خدمة الحقيقة.
لأن أخطر الأحكام ليست تلك التي تصدرها المحاكم.
بل تلك التي نصدرها نحن دون دليل.
