الخيانة بين نظرة المجتمع الشرقي وأحكام الشرع: تناقض صامت

تعد الخيانة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في مجتمعاتنا الشرقية، ليس فقط لأنها تمس العلاقة الزوجية، بل لأنها تكشف بوضوح عن فجوة عميقة بين ما يعلنه المجتمع أخلاقيًا، وما يمارسه فعليًا، وبين أحكام الشرع الواضحة، والتبريرات الاجتماعية المتناقضة.
الخيانة في ميزان المجتمع الشرقي
يحرص المجتمع الشرقي على تقديم نفسه بوصفه مجتمعًا محافظًا، يُعلي من شأن القيم والأخلاق، ويؤكد على قدسية الأسرة.
لكن عند الاقتراب من الواقع، نجد أن الخيانة لا تُدان دائمًا باعتبارها خطأ أخلاقيًا مطلقًا، بل كثيرًا ما تُقاس بـ هوية من ارتكبها.
فالخيانة إذا صدرت من المرأة تُقابل غالبًا بالرفض القاطع والإدانة الاجتماعية الحادة، بينما قد تُقابل إذا صدرت من الرجل بمبررات جاهزة، مثل «ضعف لحظة»، أو «طبيعته»، أو «إهمال الطرف الآخر». وهنا يبرز التناقض: هل الخيانة خطأ أخلاقي، أم خطأ انتقائي يخضع للأعراف؟
الخيانة في أحكام الشرع
على النقيض من هذا التذبذب المجتمعي، يأتي حكم الشرع واضحًا لا لبس فيه.
فالخيانة محرّمة شرعًا، ولا يفرّق الشرع في الإثم بين رجل وامرأة، ولا يربط الخطأ بتقصير الطرف الآخر.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
فالتحريم هنا لا يقتصر على الفعل، بل يشمل الاقتراب من أسبابه ودوافعه، حفاظًا على النفس والأسرة والمجتمع.
التناقض الاجتماعي
المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي يرفع راية الالتزام الديني، قد يبرر الخيانة تحت ضغط العادات، أو يطالب الضحية بالصمت والتسامح حفاظًا على الشكل الاجتماعي للأسرة، دون اعتبار للأثر النفسي العميق الذي تتركه الخيانة.
هذا التناقض لا يظلم طرفًا بعينه، بل يُسهم في تشويه مفهوم العدالة، ويُضعف الثقة داخل الأسرة، ويخلق وعيًا مشوّهًا لدى الأجيال القادمة.
الخيانة قرار لا ضعف
من أخطر المفاهيم الشائعة اعتبار الخيانة مجرد «ضعف».
بينما الحقيقة أنها سلسلة من القرارات الواعية، تبدأ بتجاوز الحدود، وتستمر مع التكرار، وتنتهي بكسر الثقة.
والشرع لا يبرر الخطأ، لكنه يفتح باب التوبة مع تحمّل المسؤولية والإصلاح.
من وجهه نظري
نحن بحاجة إلى مراجعة صادقة لمواقفنا المجتمعية، وإعادة تعريف الخيانة باعتبارها خطأ أخلاقيًا ودينيًا مرفوضًا أيًا كان مرتكبه، بعيدًا عن ازدواجية المعايير.
فاستقامة المجتمع لا تُقاس بالشعارات،
بل بمدى التزامه بالعدل… قولًا وفعلًا.
بقلم: هند طه زيدان
لايف كوتش ومستشارة نفسية وأسرية










