مشاهير

اليد التي حملت شظاياى … هى من علمتنى أن أحب نفسى

بقلم الكاتب الصحفى : أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب ✍🏻

في عالمٍ يصرخ بالانتقاد ، كان هناك شخصٌ وحيدٌ يقف خلف ضجيج الكمال ليُمسك بيدي ويقول :- ” أنتِ كافى ” ، لم تكن عيناه مرآةً تعكس تشققات روحي أو أخطائي المتساقطة كأوراق الخريف ، بل كانتا نافذتين تُطلان على كل ما هو جميلٌ فيّ ، حتى حين كنتُ أرى نفسي كصفحةٍ ممزقة. كان يلملم شظاياي بحنانٍ لا يكل ، كمن يجمّع قطع فسيفساءٍ نادرة ، مؤمناً بأن جمالها لا يكمن في كمالها ، بل في قصة كل جزءٍ منها.

لم أكن أعرف حينها أن هذا النوع من الحب موجود ، حبٌ لا يرفضك لأنكِ انسكبتِ مثل الماء من بين أصابعه ، بل لأنه تعلم كيف يحتضنك حتى وأنتِ تبل ثيابه بدموعك . كان يراني بكل نقصي وأخطائي ، لكنه اختار أن يخلع نعليه قبل الدخول إلى قدس أقداس روحي ، فلا يدوس على هشاشتها بصخب الأحكام ، كم مرّة تمنيتُ لو أستعير عينيه لأرى نفسي كما يراها ، لأكتشف أن تلك ” العيوب ” التي أخفيتها تحت السجاجيد ليست سوى ظلالٍ لضوئي الذي يضيء دون أن أدري.

وفي غفلةٍ من الزمن ، تحول وجوده إلى وطنٍ لم أضطر فيه لارتداء دروعي ، كنتُ أتكئ على صمته الذي يفهم ، وأضحك مع قلبه الذي لا يخاف من فوضاي .
حتى حين كنتُ أتقدّم مبتعد عنه ، كان يمسك بطرف الخيط الذي يربطني به ، كأنه يعرف أنني سأعود يومًا لأبحث عن ذلك الجزء الذي تركته عنده ، فلم يكن حبه محاولةً لإصلاحي ، بل اعترافًا بأننا لا نُصلح الأرواح ، بل نحتفي بها كما هي.

لكن الحياة لم تمنحني فرصةً لأشكره على هذه الهبة .
وفجأةً ، أصبح الفراق هو اللغة الوحيدة التي عرفناها ، ووجدتُ نفسي أحمل ذاكرته كشمعةٍ في ريحٍ عاتية ، كلما حاول العالم إقناعي بأنى لستُ جيد بما يكفي ، أسمع صوته يهمس في أعماقي :- ” أنتَ أكثر مما ترى “.
فأصبح غيابه درسًا قاسيًا بأن من يحبوننا حقًا لا يتركوننا أبدًا ، حتى حين يرحلون . هم يزرعون فينا بذور نظرتهم ، لتنبت يومًا وتصبح مرآتنا الجديدة .

ولكن اليوم ، حين أنظر إلى الخلف ، أدرك أنه لم يكن مجرد شخصٍ عابر ، كان قصيدةً كتبتها الحياة بأحرفٍ من نور ، لتعلمني أن الحب الحقيقي ليس أن تجد أحدًا مثاليًا ، بل أن ترى الكمال في كل ما هو غير مكتمل ، ربما لم أستطع إمساك يديه قبل أن يغيب ، لكنه ترك بين أصابعي شيئًا أثمن من الوداع :- فهو جعلنى أحب نفسي بنفس الطريقة التي أحبني بها … بلا شروطٍ ، بلا حدودٍ ، بلا خوفٍ من أن تكون القصيدة غير منتهية .

سنلتقى إن كان فى العمر بقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى