مشاهير

بقلم جريء: صندوق النقد الدولي.. مرآة واشنطن المكسورة

بقلم جريء: صندوق النقد الدولي.. مرآة واشنطن المكسورة

 

اعتقد أنه يحمل آلة حاسبة.. فاكتشف أنه كان يحمل مرآة

بقلم: شيما فتحي

يا من تقرؤون بين السطور،

منذ تأسيسه في “بريتون وودز” عام 1944، ظهرت في العالم سلطة لا تملك جيشاً، ولا ترفع علماً، ولا ينتخبها أحد. إنها صندوق النقد الدولي. 

سلطة توقع وزراء المالية على بياض، وترسم ميزانيات دول، وتغير أسعار خبز الشعوب… بقلم واحد، وبمعادلة واحدة. وعدت العالم بالاستقرار، فأنتجت تبعية. ووعدت بالإصلاح، فأنتجت إدماناً على القروض كل أربع سنوات. 

فمن يحاسب هذه السلطة؟ ومن يسألها: لمن تعمل؟ 

كانت أكبر خدعة في الاقتصاد الحديث هي الوهم القائل بوجود “وصفة سحرية” مكتوبة في واشنطن، تصلح أي دولة، في أي قارة، وفي أي ظرف سياسي. وصفة من ثلاث كلمات لا تتغير: تقشف، وتحرير، وخصة. 

فصار صندوق النقد الدولي يطبعها، ويرسلها بالطائرة، ويعتقد أن المهمة انتهت بتوقيع الوزير. ونسي، أو تناسى، أن الدول ليست أرقاماً في دفتر. وأن التاريخ لا يُحل بمعادلة، وأن الشعوب لا تُحكم بآلة حاسبة.

اسمه يقول “صندوق”، ووظيفته تقول “إنقاذ”، وتاريخه يقول شيئاً ثالثاً: إنه أطول تجربة في تاريخ الاقتصاد الحديث لمحاولة ضبط نبض العالم بجهاز واحد، وبوصفة واحدة.

فمن هو هذا الصندوق؟ جلاد بزي طبيب؟ أم فني إسعاف يتنكر في زي مهندس

  أولاً: وهم المعادلة الجاهزة

الخطيئة الأولى بدأت حين صدق الصندوق نفسه، وصدقه العالم، أن هناك “اقتصاداً” يمكن فصله عن “السياسة”. 

فصار يتعامل مع الدول، من بوينس آيرس إلى جاكرتا إلى القاهرة، كأنها أرقام في ميزانية. كلما اختل الميزان، أخرج الدفتر ذاته، وكتب بالقلم ذاته الكلمات الثلاث: تقشف في الإنفاق، وتحرير لسعر الصرف، وخصة للقطاع العام. 

ثم أرسل الوصفة في طائرة، وقبض التوقيع، واعتبر أن المهمة انتهت.

ونسي، أو تناسى، حقيقة يعرفها كل من مشى في شارع عربي أو لاتيني: أن وراء كل بند في الميزانية بيتاً يغلي، وعاملاً ينتظر أجره، واتحاداً يهدد بالإضراب، وانتخابات على الأبواب.

فكان الحاكم الديمقراطي يبتسم في المطار، ثم يلقي الوصفة في الدرج بعد أن يقبض الدولار. لأن الجراحة مؤلمة، والألم لا يُباع في موسم الانتخابات.

  ثانياً: إدمان الدولار وإدمان القروض

والخطيئة الثانية كانت أشد. 

نجح الصندوق نجاحاً باهراً في شيء واحد: أن يوقف النزيف. كلما جاءته دولة وهي تنزف تضخماً، ضغط على الشريان بقوة، فتوقف الدم. فتهلل الناس، وهللت الأسواق، وقالوا: “لقد شُفينا”.

ولكن لم يسأل أحد: وماذا بعد توقف النزيف؟ 

لم يسأل أحد، لأن الإجابة كانت مؤلمة: بعد توقف النزيف تأتي الجراحة، وتأتي إعادة بناء العضلات، وتأتي ترك إدمان المسكنات. 

والدول أدمنت المسكن. أدمنت قرضاً كل أربع سنوات، يريحها اليوم، ويؤجل الحساب إلى الغد. فصارت كل مرة تخرج من غرفة الإنعاش أضعف، وديونها أثقل، وشعبها أكثر غضباً… حتى جاء يوم ولم يعد في العروق دم يُضغط عليه.

  ثالثاً: حدود العقد.. وليس حدود النية

يجب أن نكون منصفين في التشريح. 

الصندوق لم يُنشأ ليبني أوطاناً. هو أنشئ في 1944 لمنع انهيار العملات بعد الحرب، ولضبط موازين المدفوعات. عقده واضح: “استقرار مالي عاجل” مقابل “إجراءات اقتصادية محددة”. 

وهو ينجز ما في عقده بامتياز. 

ولكن المشكلة تبدأ حين تخلط الدول بين “اعقد” وبين “الخطة”. فتتعامل مع فني الإسعاف على أنه مهندس مدن. وتسأله عن التنمية والتصنيع والعدالة، وهو لا يملك في حقيبته إلا أدوات الإسعاف.

ومن هنا جاء سوء الفهم الكبير. ليس لأن الصندوق قصر، ولكن لأننا طلبنا منه ما لا يستطيع، وحملناه مسؤولية لا تخصه.

  رابعاً: فني إسعاف.. وليس مهندس أوطان

وهنا، يا من تقرؤون بين السطور، نصل إلى لب الحقيقة التي يتهرب منها الجميع.

الصندوق ليس طبيباً فاشلاً كما يقول أعداؤه. وليس شيطاناً كما يصوره خصومه. 

الصندوق هو “فني إسعاف” من الطراز الأول. تدريبه ممتاز، وأدواته جاهزة، وشغلته محددة في العقد: أن يصل إلى الدولة وهي تحتضر، فيضع يده على الجرح حتى لا تموت على باب المستشفى. 

وهذا نجح فيه عشرات المرات. 

ولكن بناء دولة، وتغيير بنية إنتاج، وخلق طبقة وسطى منتجة، وترسيخ ثقة في العملة… هذه ليست في عقد فني الإسعاف. هذه مهمة الدولة نفسها، ومهمة أهلها، ومهمة إرادة سياسية تتحمل ألم الجراحة ولا تهرب منها.

والدول التي فهمت ذلك، خرجت من غرفة الإنعاش ومشت على قدميها. والدول التي اكتفت بالإسعاف، ماتت وهي على النقالة.

 المرآة: ثلاثة أسئلة قبل التوقيع

قيمة التجربة كلها يا سادتي، أنها تضع أمام كل وزير مالية، وكل رئيس حكومة، مرآة واحدة وثلاثة أسئلة:

1• سؤال الواقع: هل وصفتك تناسب جسدك السياسي؟ فالديمقراطي لا يتحمل ما يتحمله العسكري، والشعب لا يصبر على ما يصبر عليه الجيش.  

2• سؤال الإرادة: هل أنت مستعد للجراحة كاملة الآن، أم ستؤجلها إلى الغد؟ لأن التأجيل هو بداية النهاية.  

3• سؤال المصير: هل تريد مسكناً تنام به اليوم، أم دواءً يوجعك اليوم ويبنيك غداً؟

ولذلك أقولها بصراحة، وبكامل المسؤولية: صندوق النقد ليس المشكلة. المشكلة دائماً في الدولة التي تذهب إليه باحثة عن معجزة، وهي ترفض أن تصنع معجزتها بيدها.

فني الإسعاف موجود ليمنع الموت الفوري يا من تقرؤون بين السطور.. وليس ليمنح الحياة الأبدية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى