سُوقِ الِانْحِطَاطِ

سُوقِ الِانْحِطَاطِ
بقلم: د/ حمزة درة
بَيْنَمَا تَتَهَافَتُ الأَصَابِعُ المَحْمُومَةُ عَلَى زِرِّ “البَثِّ المُبَاشِرِ”، لَا يُدْرِكُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَفْتَحُونَ نَوَافِذَ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ العَالَمِ، بَلْ يَفْتَحُونَ أَبْوَابَ الجَحِيمِ عَلَى قِيَمِهِمْ قَبْلَ مُجْتَمَعَاتِهِمْ.
لَقَدْ تَحَوَّلَ تِطْبِيقُ “التِّيكْ تُوكْ” وَغَيْرُهُ مِنَ المَنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ -بِفِعْلِ صُنَّاعِ الرَّذِيلَةِ- مِنْ أَدَوَاتٍ لِلتَّقَارُبِ الإِنْسَانِيِّ، إِلَى مَزَادٍ عَلَنِيٍّ لِامْتِهَانِ الكَرَامَةِ. لَمْ يَعُدْ مَا يُقَدَّمُ “صِنَاعَةَ مُحْتَوَى”، بَلْ صَارَ “شَحَاذَةً مُبْتَذَلَةً” مَغْصُوبَةً، مُغَلَّفَةً بِبَهْرَجَةٍ بَصَرِيَّةٍ زَائِفَةٍ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَعْرِضُونَ عَوْرَاتِ حَيَاتِهِمْ بِوُجُوهٍ وَقِحَةٍ، يَبِيعُونَ خُصُوصِيَّتَهُمْ، وَأَسْرَارَ بُيُوتِهِمْ، وَيُقَامِرُونَ بِبَرَاءَةِ أَطْفَالِهِمْ، فَقَطْ مِنْ أَجْلِ “إِعْجَابَاتٍ” وَهْمِيَّةٍ وَدُولَارَاتٍ مَعْدُودَةٍ، لَا تَفِي بَثَمَنِ الرُّخْصِ الَّذِي ارْتَضَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ.
تِجَارَةُ الأَوْهَامِ

يُبَرِّرُونَ انْحِلَالَهُمْ الأَخْلَاقِيَّ بِشِعَارِ “الحُرِّيَّةِ”، وَيَدْثِرُونَ فُجُورَهُمْ بِعَبَاءَةِ “التَّرِنْدِ”. فَأَيُّ حُرِّيَّةٍ هَذِهِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الأَعْرَاضِ، وَتَطْبِيعِ الشُّذُوذِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الفَاحِشَةِ وَالخِيَانَةِ؟ إِنَّهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ فِكْراً، بَلْ يَبُثُّونَ أَوْبِئَةً سُلُوكِيَّةً مُمِيتَةً. يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ بَاتُوا “نُجُوماً”، بَيْنَمَا هُمْ فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ لَيْسُوا سِوَى “بِضَاعَةٍ كَاسِدَةٍ” فِي سُوقِ الِانْحِطَاطِ، يَسْتَهْلِكُهُمُ العَابِثُونَ لِلتَّسْلِيَةِ الرَّخِيصَةِ، ثُمَّ يَلْفِظُهُمُ التَّارِيخُ كَمَا تُلْفَظُ النُّفَايَاتُ.
عُمْلَةٌ لَا تُصْرَفُ
تِلْكَ الأَمْوَالُ الَّتِي يَلْهَثُونَ خَلْفَهَا عَبْرَ “الهَدَايَا الرَّقْمِيَّةِ” لَيْسَتْ كَسْباً، بَلْ هِيَ ضَرِيبَةٌ خَاسِرَةٌ يَقْتَطِعُونَهَا مِنْ رَصِيدِ كَرَامَتِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ أَمَامَ أَنْفُسِهِمْ وَأَمَامَ ذَوِيهِمْ. هَلْ يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ زِرَّ البَدْءِ: مَاذَا سَيَبْقَى مِنْ شَرَفِي عِنْدَمَا تُغْلَقُ الشَّاشَةُ؟ الإِجَابَةُ صَادِمَةٌ: لَا شَيْءَ سِوَى السَّرَابِ، وَالفَرَاغِ، وَسُمْعَةٍ مُلَطَّخَةٍ تَبْقَى كَعَارٍ لَا يَزُولُ.
دَعْوَةٌ لِلِاسْتِيقَاظِ
إِلَى كُلِّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ العُبُورَ نَحْوَ “الشُّهْرَةِ” يَمُرُّ عَبْرَ هَدْمِ الثَّوَابِتِ، أَوِ الِاسْتِهْزَاءِ بِالقِيَمِ، أَوْ نَثْرِ السُّمُومِ: أَنْتَ لَا تَصْنَعُ مَجْداً، أَنْتَ تَقْتَلِعُ جُذُورَ المُجْتَمَعِ، وَتَحْفِرُ قَبْرَكَ المَعْنَوِيَّ بِيَدِكَ.
إِنَّ الجُمْهُورَ الَّذِي يُصَفِّقُ لَكَ اليَوْمَ عَلَى خِزْيِكَ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَبْصُقُ عَلَى مَاضِيكَ غَداً، حِينَمَا تَسْتَفِيقُ النُّفُوسُ وَتَكْتَشِفُ أَنَّ “التَّرِنْدَ” كَانَ خَدِيعَةً كُبْرَى، وَأَنَّكَ بِعْتَ أَثْمَنَ مَا تَمْلِكُ -أَخْلَاقَكَ- مُقَابِلَ مَلَالِيمَ لَا قِيمَةَ لَهَا.
فَتَوَقَّفُوا.. فَالسُّقُوطُ مِنَ القِمَّةِ مُوجِعٌ، لَكِنَّ السُّقُوطَ إِلَى الحَضِيضِ هُوَ البَقَاءُ فِي القَاعِ إِلَى الأَبَدِ.


