أخبار العالم
أخر الأخبار

عبدالله شلبي بكتب .. حين تتحوّل الفتوى إلى أداة اجتماعية فاسدة

بين فقه الواقع وضغط العادات

بقلم: عبدالله شلبي

في أصلها،
الفتوى رحمة،
وجواب عن حيرة،
ونور في طريق المتردّد.
لم تكن يومًا سوطًا يُرفع على الناس،
ولا حجرًا يُرمى به المختلف،
ولا وسيلةً لإحراج الخلق باسم الله.
لكن في واقعنا المعاصر،
تحوّلت كثير من الفتاوى
من اجتهادٍ مسؤول…
إلى أحكامٍ اجتماعية قاسية.
صار بعض الناس لا يسأل: ما حكم الله؟
بل يسأل: ماذا سيقول الناس؟
وصار بعض المفتين — إلا من رحم الله —
لا ينظرون في حال السائل،
ولا في ظروفه،
ولا في ضعفه،
بل يجيبون بنصٍّ مجرّد،
كأنهم يخاطبون نموذجًا مثاليًا لا وجود له.
فتوى بلا فهم للواقع،
قد تكون أفسد من معصية بصاحبها.
لأنها تُغلّف القسوة بغلاف الشرع،
وتمنح الخطأ صفة “القداسة”.
كم من بيتٍ تهدّم بفتوى متعجّلة،
وكم من قلبٍ انكسر بحكمٍ جاف،
وكم من شابٍّ ابتعد عن الدين
لأنه لم يجد فيه رحمة.
مع أن النبي ﷺ قال: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا».
والفقهاء الكبار لم يكونوا آلات إجابة،
بل كانوا علماء نفوس وواقع،
يفهمون الإنسان قبل أن يحكموا عليه.
كانوا يسألون: من السائل؟
وفي أي حال؟
ولماذا يسأل؟
وماذا سيترتّب على الجواب؟
لأن الفتوى مسؤولية،
وليست استعراضًا للعلم.
ومن أخطر ما نراه اليوم: أن تتحوّل الفتوى إلى أداة لضبط المجتمع،
لا لإصلاحه.
فتُستخدم لتكريس عاداتٍ خاطئة،
أو حماية مصالح،
أو فرض تصوّرات ضيّقة،
ثم تُنسب زورًا إلى الدين.
فتختلط الشريعة بالتقاليد،
والحكم الإلهي بالرأي البشري،
ولا يعود الناس قادرين على التمييز.
والنتيجة: دينٌ يبدو قاسيًا،
ومجتمعٌ أكثر نفاقًا،
وأفرادٌ يعيشون بوجهين.
إننا لا نحتاج فتاوى أكثر،
بل نحتاج فقهًا أعمق.
لا نحتاج أحكامًا أسرع،
بل قلوبًا أرحم.
نحتاج من يُذكّرنا أن الله
أرحم بنا من أنفسنا،
وأن دينه لم يُنزَل ليكسرنا،
بل ليُقيمنا.

وللحديث بقيّة،
ففي المقال القادم — بإذن الله — نتناول كيف تتحوّل الخلافات الفقهية إلى صراعات فكرية،
وكيف يُستغلّ الدين لصناعة معارك لا علاقة لها بالحق.

✦ تنويه للقراء:
تأتي هذه المقالات ضمن مشروعٍ فكريٍّ يهدف إلى بناء وعيٍ دينيٍّ متوازن،.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى