أخبار العالم
أخر الأخبار
عبدالله شلبي يكتب: حين تُهزَم الأمم بلا رصاصة
قراءة دينية اجتماعية في كيفيّة تفكيك المجتمعات عبر حروب الأفكار

بقلم: عبدالله شلبي

لم تعد الحروب في عصرنا الحديث
تُخاض بالسلاح وحده،
ولا تُحسم بالمدافع فقط،
بل أصبحت — في كثير من الأحيان —
حروبًا صامتة،
تستهدف العقول قبل الأجساد،
والقناعات قبل الحدود.
فأخطر معركة تخوضها أمة
هي تلك التي لا تشعر بها.
معركة تُدار في الخفاء،
وتُخاض عبر الشاشات،
وتُمرَّر في الكلمات،
وتُزرَع في العقول
تحت عناوين براقة
وشعارات جذابة.
في هذه الحروب،
لا يُطلب منك أن تترك دينك صراحة،
ولا أن تتخلّى عن هويتك علنًا،
بل يُدفع بك تدريجيًا
إلى الشك،
ثم التردّد،
ثم اللامبالاة،
ثم الانفصال الداخلي.
يبدأ الأمر بسؤال،
ثم يتحوّل إلى تشكيك،
ثم ينتهي بإنكار.
ويُقدَّم ذلك كلّه
في صورة “تفكير حر”،
و“تحرّر عقلي”،
و“تحطيم للقيود”.
بينما هو في حقيقته
تفكيك بطيء للانتماء،
وتآكل صامت للثوابت.
في رأيي،
فإن أخطر ما في حروب الأفكار
أنها لا تصنع خصومًا ظاهرين،
بل تصنع أبناءً غرباء
داخل أوطانهم،
ومنتمين شكليًا،
منفصلين جوهريًا.
شباب يتحدّث بلسان الأمة،
لكن بعقلٍ مستورد،
وقيمٍ مشوَّشة،
وموازين مختلّة.
لا يعرف أين يقف،
ولا ماذا يدافع عنه،
ولا لماذا يعيش.
ويزداد الخطر
حين تتحوّل هذه الحروب
إلى صراعات داخلية،
وانقسامات فكرية،
ومعارك وهمية
بين أبناء الصف الواحد.
فيُشغَل الناس ببعضهم،
ويتخاصمون حول الفرعيات،
ويتنازعون في الجزئيات،
بينما تُستنزف القضايا الكبرى
في صمت.
فتُضرب الثقة،
ويُكسَر التماسك،
وتضعف المناعة الفكرية،
وتصبح الأمة جسدًا بلا مناعة.
وفي هذه اللحظة،
لا يحتاج العدو إلى اقتحام،
فالأبواب تكون قد فُتحت من الداخل.
لسنا ضد الحوار،
ولا نخاف من الأسئلة،
ولا نرفض التفكير،
لكننا نرفض
أن يتحوّل السؤال إلى سلاح،
والنقاش إلى هدم،
والاختلاف إلى تفكيك.
نؤمن أن الإسلام
لم يُبنَ على تعطيل العقل،
بل على إعماله،
ولم يُرسَّخ بالخوف،
بل بالحجة،
ولم ينتشر بالقهر،
بل بالوعي.
لكن الوعي الحقيقي
لا يعني الذوبان،
ولا التنازل،
ولا التفريط،
بل الفهم العميق،
والثبات الواعي،
والانفتاح المحصَّن.
إن معركة الوعي اليوم
ليست معركة نخبة،
ولا قضية مثقفين،
بل مسؤولية مجتمع كامل:
أسرة،
ومدرسة،
ومسجد،
وإعلام.
فإما أن نُحصّن أبناءنا بالفهم،
أو نتركهم فرائس للأفكار.
في المقال القادم نكشف كيف يُدار الخلاف داخل الصف الواحد ليُحوَّل إلى وقود صراع، بدل أن يكون بابًا للفهم والرحمة.






