أخبار العالم
أخر الأخبار

عبدالله شلبي يكتب .. حين يتحوّل الدين إلى “ترند”… والشيخ إلى “إنفلونسر”

بين المرجعية العلمية ومنطق الانتشار الرقمي


بقلم: عبدالله شلبي


في زمنٍ تحكمه الشاشات،
وتُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات،
ويُصنَّف فيه التأثير بعدد المتابعين،
لم يَسلم الدين من منطق “الترند”.
صار بعض الناس لا يسألون: هل هذا الكلام صحيح؟
بل يسألون: كم عدد من شاهده؟
ومن قاله؟
وتحوّل السؤال من: ما الدليل؟
إلى: من المشهور الذي قال؟
وهكذا، بهدوءٍ خطير،
انتقل الدين من ميزان العلم…
إلى ميزان الخوارزميات.
لم يعد بعض المتابعين يبحثون عن العالم الأوثق،
ولا عن الأعلم،
ولا عن الأتقى،
بل عن “الأكثر انتشارًا”.
شيخٌ يتقن الإلقاء،
يجيد صناعة المقطع،
يعرف متى يضحك،
ومتى يبكي،
ومتى يرفع صوته،
ومتى يهمس…
فيُصدّقه الناس،
لا لأنه الأعلم،
بل لأنه “الأشهر”.
ومع الوقت،
تحوّلت الفتوى عند البعض إلى “محتوى”،
والنصيحة إلى “فقرة”،
والدين إلى “برنامج”.
لا نقول إن كل مشهورٍ جاهل،
ولا إن كل مؤثّرٍ مضلّ،
فالحق لا يُقاس بالأعداد،
والباطل لا يُعرف بالانتشار.
لكن الخطر حين يصبح الانتشار هو المعيار.
حين يُعاد تشكيل الخطاب الديني
ليُناسب “الريِل”
و”الترند”
و”الترفيه السريع”،
فيضيع العمق،
ويختفي التوازن،
ويُختصر الدين في دقائق معدودة.
والدين الذي نزل ليصنع إنسانًا واعيًا،
لا يمكن أن يُختزل في مقطعٍ مدته ثلاثون ثانية.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ولم يقل: فاسألوا الأشهر،
ولا الأعلى مشاهدة.
فالمرجعية في الإسلام: قرآن،
وسنة،
وفهم نصوص،
لا شهرة،
ولا ضوء كاميرات.
والمشكلة الأكبر: أن بعض المتلقّين
تخلّوا عن مسؤولية التفكير،
واستراحوا لفكرة: “طالما مشهور… إذن هو صح”.
مع أن التاريخ مليءٌ بأخطاء المشهورين،
وانتصارات المغمورين.
إن أخطر ما قد نصل إليه: أن نُسلِّم عقولنا للخوارزميات،
ونُفوِّض ديننا للترند.
فلا نعود نسأل: هل هذا يُرضي الله؟
بل: هل سيُعجب الناس؟
وهنا تبدأ الهزيمة من الداخل.
نحن لا نحتاج “نجوم دين”،
بل نحتاج “ضمائر حيّة”.
لا نحتاج “مؤثّرين”،
بل “صادقين”.
نحتاج من يدلّنا على الله،
لا من يدلّنا على نفسه.
✦ تنويه للقراء:
تأتي هذه المقالات ضمن مشروعٍ فكريٍّ يسعى إلى إعادة بناء الوعي الديني في زمن الاضطراب،
وترقبوا سلسلةٍ رمضانية خاصّة،
من قلب القارئ لا الكاتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى