أخبار العالم
أخر الأخبار
عبدالله شلبي يكتب: كيف تُغسَل عقول شبابنا؟
قراءة دينية اجتماعية في دور الإعلام في صناعة الوعي والانحراف

بقلم: عبدالله شلبي

لم يعد الإعلام في عصرنا الحديث
مجرد وسيلة لنقل الأخبار،
ولا نافذة للاطلاع والمعرفة،
بل تحوّل — في كثير من الأحيان —
إلى أداةٍ لصناعة العقول،
وتوجيه القناعات،
وإعادة تشكيل القيم.
الشاب اليوم لا يجلس أمام الشاشة ليتعلّم،
بل ليتسلّى،
غير أنه — دون أن يشعر —
يتلقّى رسائل متراكمة،
وأفكارًا متكرّرة،
وصورًا موجهة،
تصنع وعيه تدريجيًا.
فما يُكرَّر يصبح مألوفًا،
وما يُقدَّم في صورة جذابة يُصدَّق،
وما يُروَّج له باستمرار يتحوّل إلى “طبيعي”.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالإعلام لا يفرض رأيًا مباشرًا،
بل يصنع مناخًا نفسيًا وفكريًا
يجعل بعض الانحرافات مقبولة،
وبعض الثوابت محلّ تشكيك.
فيُضعف حضور القيم الدينية،
لا بالهجوم الصريح،
بل بالتهميش والتجاهل.
ويُشوَّه الالتزام،
لا بالسخرية المباشرة،
بل بربطه بالتشدد والانغلاق.
ويُلمَّع الانفلات،
لا بالدعوة إليه صراحة،
بل بتقديمه في صورة “الحرية” و“التحرر”.
وفي هذا المناخ،
ينشأ كثير من الشباب
في حالة من الارتباك الفكري:
بين ما يتعلّمه في بيته،
وما يسمعه في مسجده،
وما يراه يوميًا على شاشته.
فتضعف المرجعية،
ويختلّ الميزان،
وتضيع البوصلة.
أرى أن أخطر نتائج هذا المشهد
هو صناعة أجيال
سهلة التوجيه،
سريعة التأثر،
قابلة للاستقطاب.
لا تمتلك أدوات النقد،
ولا مهارة التمييز،
ولا حصانة فكرية حقيقية.
وهنا لا يصبح الإعلام
وسيلة ترفيه فقط،
بل طرفًا مؤثرًا
في تشكيل مستقبل المجتمع.
لسنا دعاة قطيعة مع الإعلام،
ولا أنصار انعزال عن العصر،
لكننا نطالب بوعيٍ يحصّن،
وفهمٍ يحلّل،
وتربيةٍ تعلّم أبناءنا
كيف يشاهدون،
وكيف يفكّرون،
وكيف يميّزون.
فالتعامل مع الشاشة
دون وعي،
يشبه السير في طريق مزدحم
دون بصيرة.
والوعي في هذا الزمن
لم يعد ترفًا فكريًا،
بل ضرورة دينية واجتماعية.
في المقال القادم نناقش كيف تتحوّل حروب الأفكار إلى تفكيكٍ صامت لصفّ الأمة من الداخل.









