العالم
أخر الأخبار
عبدالله شلبي يكتب: كيف نصنع شابًا غاضبًا، حائرًا، فاقد الثقة… ثم نلومه؟
قراءة دينية اجتماعية في صناعة الارتباك والهزيمة الصامتة

بقلم: عبدالله شلبي
لا يولد الشاب غاضبًا،
ولا ينشأ حائرًا بطبيعته،
ولا يفقد ثقته فجأة.
نحن — دون أن نشعر —
نشارك يوميًا في تشكيل هذا الواقع.
نصنعه حين نقدّم له
رسائل متناقضة،
ونماذج مرتبكة،
وخطابًا مضطربًا.
نطالبه بالالتزام،
ثم نسخر من الملتزم.
نطالبه بالجدية،
ثم نمجّد السطحية.
نطالبه بالأخلاق،
ثم نبرر التجاوز.
فيكبر وهو ممزّق
بين ما يُقال له
وما يراه أمامه.
ينشأ بين أسرة تحرص،
وشاشات تهدم،
ومحتوى يشتّت،
وأصوات تملأ رأسه
بلا بوصلة.
يسمع عن القيم،
ويرى الاستثناءات.
يسمع عن النجاح،
ويرى الطرق المختصرة.
يسمع عن القدوة،
ولا يجدها واضحة.
فتبدأ الحيرة.
ومع الحيرة،
يتسلّل الغضب.
غضب من نفسه،
وغضب من واقعه،
وغضب من كل ما حوله.
ثم يتحوّل الغضب تدريجيًا
إلى شك،
ثم إلى تراجع،
ثم إلى انسحاب داخلي صامت.
ومن منظور ديني اجتماعي،
فإن أخطر ما نمارسه اليوم
هو تحميل الشباب
نتائج بيئة كاملة
دون أن نصلح أسبابها.
نطالبه بالثبات
وسط ضجيج متواصل.
نطالبه بالحكمة
وسط خطاب منفعِل.
نطالبه بالتمييز
وسط سيل من التضليل.
ثم نتساءل:
لماذا ارتبك؟
الإعلام يضخّ القلق،
والسوشيال يزرع المقارنات،
والمحتوى السريع يضعف العمق،
والخطاب المتشنّج يزيد الحيرة.
فيتحوّل الشاب
من باحث عن المعنى
إلى أسير للمزاج العام.
ومن طامح للتغيير
إلى متفرّج متردد.
ومن صاحب حلم
إلى شخص يخشى المحاولة.
وهنا تبدأ مرحلة أخطر:
الهزيمة من الداخل.
هزيمة بلا ضجيج،
ولا شعارات،
ولا مظاهرات.
هزيمة في الثقة،
وفي الطموح،
وفي الإيمان بالذات.
في مشروع الوعي الديني،
نؤمن أن حماية الشباب
لا تكون بالتخويف،
ولا بالمبالغة،
ولا بالاتهام.
بل بالفهم،
والاحتواء،
والصدق،
والتوازن.
نحتاج أن نعيد له:
وضوح المعنى،
واحترام العقل،
وثقة المحاولة،
وأمل البناء.
أن يشعر أن الخطاب الديني
يرشده،
لا يربكه.
ويحتضنه،
لا يحاكمه.
ويقوّيه،
لا يضعفه.
الأمم لا تخسر أبناءها فجأة،
بل تتركهم طويلًا
في دوّامة التناقض،
ثم تتعجب من سقوطهم.
في المقال القادم: نواصل هذا الطرح،
بكشف كيف يتحوّل الإحباط المتراكم،
والخطاب المُحبِط،
والتربية القائمة على التقليل والتخويف،
إلى هزيمة نفسية صامتة
تفقد الشباب ثقتهم بقدرتهم على النهوض والتغيير.
تنويه:
تأتي هذه المقالات ضمن مشروع الوعي الديني،
لتصحيح المفاهيم، وترسيخ الفهم الوسطي، وبناء عقلٍ ناقدٍ يحصّن المجتمع من التطرف والتضليل.





