أخبار العالم
أخر الأخبار

عبدالله شلبي يكتب: من الخلاف الفقهي إلى معركة عقائدية

إلى أين......؟ ومن المستفيد؟

بقلم: عبدالله شلبي


عبدالله شلبي
عبدالله شلبي

لم يكن الخلاف في تاريخ المسلمين عيبًا،
ولا علامة ضعف،
بل كان في كثير من مراحله دليل حياةٍ وحيوية.
اختلف الصحابة،
واختلف التابعون،
واختلف الأئمة،
وبقي الأدب،
وبقي الود،
وبقي اليقين بأن الحقّ أوسع من رأي واحد.
لكن ما نشهده اليوم
لم يعد خلافًا علميًّا ناضجًا،
بل حالة استقطابٍ حادّ،
تُصنَّف فيها العقول،
وتُستباح فيها النيات،
ويُخوَّن فيها المختلف.
تحوّلت مسائل اجتهادية
ناقشها العلماء عبر القرون
إلى قضايا “إيمان وكفر”،
و“ولاء وبراء”،
و“اصطفاف وعداء”.
وصار الدفاع عن الرأي
أقرب إلى التعصّب،
وأبعد عن طلب الحق.
ومن أخطر ما نعيشه اليوم: غياب القدوة العلمية والأخلاقية في وعي كثير من الشباب.
لم يعد العالم الربانيّ هو النموذج الأعلى،
ولا الشيخ المتزن هو المرجع الأول،
بل تصدّر المشهد من يرفع الصوت أكثر،
ويصنع الصدام أسرع،
ويُتقن إثارة الجدل.
وفي هذا المناخ المضطرب،
تعرضت مؤسسات العلم العريقة — وفي مقدمتها الأزهر الشريف
لحملات تشكيك وتشويه متواصلة،
تسعى إلى إسقاط الثقة في علمائه،
وتفريغ المرجعية من مضمونها.
وليس هذا أمرًا عابرًا،
ولا خلافًا بريئًا،
بل مسارٌ خطيرٌ يفتح الباب للفوضى الفكرية،
ويترك الشباب نهبًا للأصوات المتطرفة.

وهنا يحقّ لنا أن نسأل بصدق:
كيف وصلنا إلى هذا الحدّ؟
من المسؤول عن تحويل الخلاف إلى صراع؟
من المستفيد من تمزيق الصفّ؟
ولماذا يُستهدف الاعتدال دائمًا؟
وما أثر ذلك على وعي الناس،
واستقرار المجتمع،
وصورة الدين؟
أسئلة لا يجوز أن نهرب منها،
ولا أن نغطيها بالشعارات.
أول الطريق إلى العلاج: الاعتراف بأننا فقدنا الميزان.
صار الشابّ حائرًا: بين أصوات متصارعة،
ورؤى متناقضة،
وخطابات مشحونة.
ورأيي بوضوح: أن أخطر ما نفعله اليوم بديننا
أن نحوّله من رسالة هداية
إلى ساحة تصفية حسابات.
وأن نُضعف مؤسسات الاعتدال،
ثم نتعجّب من انتشار الغلوّ.
وأن نهدم الثقة في العلماء،
ثم نشتكي من فوضى الفتاوى.
نحن لا نحتاج مزيدًا من الصراخ،
بل نحتاج عودة للعقل،
وللعلم،
وللأدب مع الخلاف.

وللحديث بقيّة،
ففي المقال القادم — بإذن الله — نناقش كيف تُصنَع التبعية الفكرية،
وكيف يتحوّل طالب العلم من باحث عن الحقّ إلى مدافع عن الأشخاص.

✦ تنويه للقراء:
تأتي هذه المقالات ضمن مشروعٍ فكريٍّ يسعى إلى ترسيخ الوعي الديني المتوازن،
وحماية العقول من الاستقطاب والتطرف،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى