أخباراخبار اليومالشرق الأوسطصحةمشاهير

عندما يتحول الضحية إلى متهم لماذا يصرّ المجتمع على لوم الضحية؟

بقلم: هند طه زيدان

في كثير من الأحيان، لا تنتهي معاناة الضحية عند لحظة الأذى، بل تبدأ بعدها. فبدل أن تتجه الأسئلة نحو الجاني، يتحول الضوء فجأة إلى الشخص الذي تعرّض للأذى.

نبدأ التحقيق مع الضحية لا المعتدي.

نسألها: ماذا فعلتِ؟ لماذا كنتِ هناك؟ لماذا لم تنتبهي؟

وكأن الألم الذي تعرّضت له لا يكفي، فيُضاف إليه عبء الاتهام والتبرير.

المسروق الذي أصبح ملامًا

عندما يتعرض شخص للسرقة، نادرًا ما يكون السؤال الأول: لماذا سرق السارق؟

بل نسمع سريعًا أسئلة من نوع آخر:

• لماذا تركت أغراضك؟

• لماذا لم تحذر؟

• ألم تعلم أن المكان غير آمن؟

يتحوّل التركيز من الفعل الإجرامي نفسه إلى تصرف الضحية، وكأن الأمانة لم تعد قيمة مجتمعية مشتركة، بل مسؤولية فردية يتحملها فقط من يخشى أن يُسرق.

نلوم من سُرِق، بينما يغيب السؤال الأهم: لماذا لم يتعلم السارق احترام حقوق الآخرين؟

الفتاة التي تُحاسَب بدل المتحرش

من أكثر صور لوم الضحية قسوة ما يحدث في حالات التحرش.

فبدل إدانة المتحرش بشكل واضح، يبدأ المجتمع في تفحص سلوك الفتاة:

• ماذا كانت ترتدي؟

• لماذا خرجت في هذا الوقت؟

• هل تصرفت بطريقة لفتت الانتباه؟

وكأن التحرش رد فعل طبيعي، وليس اعتداءً صريحًا.

بينما الحقيقة الواضحة أن المشكلة لا تكمن في مظهر الضحية، بل في عقلية شخص قرر تجاوز الحدود.

المتحرش لا يتحرش لأن الفرصة أتيحت له، بل لأنه اختار أن يتجاهل القيم والقوانين.

ضحايا العنف… محاكمة جديدة بعد الألم

حتى ضحايا العنف الأسري لا يسلمون من اللوم.

فنسمع عبارات مثل:

“ربما استفزّته.”

“لماذا بقيت معه؟”

“لا بد أنها أخطأت.”

نبحث عن خطأ لدى الضحية يخفف شعورنا بعدم الأمان، لأن الاعتراف بوجود ظالم حقيقي يجعل العالم يبدو أقل عدلًا مما نود تصديقه.

لماذا نلوم الضحية؟

يفسر علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة بما يُعرف بـ”وهم العدالة”، حيث يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن العالم عادل بطبيعته.

ولذلك يفضّل البعض إقناع نفسه بأن الضحية ارتكبت خطأ ما، لأن الاعتراف ببراءتها الكاملة يعني أن الأذى قد يصيب أي شخص… وربما نحن.

لوم الضحية يمنح شعورًا زائفًا بالأمان، لكنه لا يحقق العدالة.

الثمن الحقيقي

عندما نلوم الضحية، لا نؤذي فردًا واحدًا فقط، بل نرسل رسالة ضمنية إلى المجتمع كله:

• لا تتكلم.

• لا تشتكِ.

• لا تطلب المساعدة… لأنك قد تتحول إلى متهم بدل أن تُنصف.

وهكذا يصمت الضحايا، بينما تزداد جرأة المعتدين.

بداية المجتمع العادل

المجتمع الصحي لا يسأل الضحية لماذا لم تحمِ نفسها، بل يسأل الجاني لماذا اختار أن يؤذي غيره.

فالوقاية مهمة، نعم، لكنها لا يمكن أن تكون تبريرًا للجريمة.

الضحية ليست مذنبة لأنها لم تتوقع الشر، بل المذنب الوحيد هو من قرر أن يمارسه.

هند زيدان

لايف كوتش ومتخصصة في الإرشاد الأسري والنفسى، وكاتبة رأي في قضايا الوعي المجتمعي ونمو الشخصية.

تعمل على نشر الوعي النفسي والاسرى من خلال المقالات والبرامج التدريبية وجلسات الإرشاد الفردي والأسري.

لحجز الجلسات يمكن التواصل عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال منصة CoachGate

Hend Taha Zidan

هند زيدان مستشارة نفسية وأسرية ولايف كوتش، تمتلك خبرة مهنية متنوعة تجمع بين الخلفية القانونية والتأهيل النفسي المتخصص. تخرجت في كلية الحقوق، وبدأت حياتها المهنية كمحامية، ثم عملت في مجال الموارد البشرية (HR)، مما أسهم في تعميق فهمها للسلوك الإنساني داخل السياقات المختلفة. تخصصت لاحقًا في الإرشاد النفسي والأسري واللايف كوتشينج، ودرست لايف كوتش، وإرشاد نفسي وأسري، وتعديل سلوك، واضطرابات نفسية من خلال برامج متخصصة في جامعة عين شمس. كما حصلت على دبلوم إعداد معالج نفسي التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، ودبلوم التربية الخاصة. تقدّم حاليًا جلسات لايف كوتشينج وجلسات إرشاد نفسي وأسري لدعم الأفراد والأسر في تحقيق التوازن النفسي وبناء علاقات أكثر وعيًا، وهي عضوة في اتحاد المعالجين العرب، وتلتزم بالمعايير المهنية والأخلاقية في عملها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى