لغة الضاد في مهب الريح – هل نكتب شهادة وفاة هويتنا بأيدينا؟ بقلم : د/ علاء المصري

لغة الضاد في مهب الريح
– هل نكتب شهادة وفاة هويتنا بأيدينا؟
بقلم :
د/ علاء المصري
في زمنٍ تسارعت فيه خطى العولمة، وتلاشت فيه الحدود بين الثقافات، نجد أنفسنا أمام معضلة وجودية صامتة، لكنها مدمرة: “الاغتراب اللغوي”*. إننا لا نتحدث هنا عن مجرد تراجع في استخدام مفردات قديمة، بل عن “نسيانٍ متعمد” للغةٍ لم تكن يوماً مجرد أداة للتواصل، بل كانت وعاءً للفكر، ومستودعاً للتاريخ، وجسراً يربطنا بجذورنا التي تمتد في أعماق الحضارة الإنسانية.
_ حين تصبح “العربية” لغةً أجنبية في عقر دارها
لقد أصبح مشهداً مألوفاً أن ترى أجيالاً كاملة من أبناء الضاد، يتباهون بطلاقتهم في لغاتٍ وافدة، بينما يتلعثمون في صياغة جملة عربية سليمة. لقد تحول الأمر من مجرد “تطور طبيعي” إلى حالة من “الاستلاب الثقافي”، حيث باتت اللغة العربية تُعامل كضيفٍ ثقيل، أو كأثرٍ قديم لا يصلح إلا للمتاحف والكتب المدرسية الجامدة.
_ لماذا ننسى؟
النسيان هنا ليس فقدان ذاكرة بيولوجي، بل هو “انتحار ثقافي” ناتج عن عدة عوامل:
١_ عقدة النقص: الاعتقاد الخاطئ بأن التقدم العلمي والحضاري لا يتحقق إلا عبر التخلي عن اللغة الأم.
2_ تغريب التعليم:
كتحويل اللغة العربية إلى مادة ثانوية في أنظمة تعليمية تلهث وراء “البريق الأجنبي”.
3_ الاستسهال الرقمي:
لغة “العربيزي” والركاكة في وسائل التواصل الاجتماعي، التي قتلت بلاغة الجملة وعمق المعنى.
اللغة هي الوطن..
فهل نحن بلا وطن؟
يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: “اللغة هي بيت الوجود”. فإذا انهار البيت، أين سيسكن الفكر؟ إن نسيان اللغة العربية يعني بالضرورة نسيان القيم، والأمثال، والقصص، والحكمة التي صاغها أجدادنا. حين نفقد لغتنا، نفقد “نظارتنا” التي نرى بها العالم، ونصبح مجرد “صدى” لثقافات الآخرين، لا نملك صوتاً خاصاً ولا رؤية مستقلة.
صرخة استنهاض
إن استعادة اللغة العربية ليست دعوة للانغلاق أو رفض تعلم لغات العالم؛ فالعلم لا وطن له، لكن الهوية لها وطن، ووطننا هو لغتنا.
_ اقرأ ؛ فالقراءة هي التي تعيد ضخ الحياة في عروق المفردات.
_ اكتب ؛ فبالكتابة نثبت وجودنا ونحمي تراثنا من التآكل.
_ اعتز ؛ فاللغة التي حملت علوم الطب والفلك والفلسفة للعالم لقرون، ليست عاجزة عن استيعاب علوم العصر، بل نحن الذين عجزنا عن تطوير أدواتها.
_ ختاماً : فإن اللغة العربية ليست مجرد حروف وكلمات، بل هي “روح” أمة. فهل سنسمح لهذه الروح أن تذوي وتندثر؟ أم سنعيد إحياءها لتكون لغة المستقبل، كما كانت لغة الماضي؟ القرار ليس في أيدي المؤسسات فحسب، بل في أيدي كل واحد منا، في كل جملة يكتبها، وفي كل كلمة ينطقها.



