ما وراء المطرقة: عندما تقتل النصوص روح الأسرة.. هل نحتاج لثورة في عقلية القانون الأسري

ما وراء المطرقة: عندما تقتل النصوص روح الأسرة.. هل نحتاج لثورة في عقلية القانون الأسري؟
بقلم: المستشارة هدير السيد – محكمة دولية وسفيرة اتحاد الصداقة العربي وباحثة جامعية بقسم القانون الخاص
إن المتأمل في أروقة المحاكم اليوم يدرك أننا لا نعاني من نقص في النصوص القانونية، بل نعاني من جفاف في روحها. فالقانون في جوهره وُجد ليحمي الإنسان وينظم حياته، لكنه حين يتحول إلى قوالب جامدة ونصوص صماء، يصبح أحيانًا عبئًا يهدم البيوت بدلًا من أن يرممها.
لقد بات واضحًا أن كثيرًا من النصوص القانونية تقف عاجزة أمام تعقيدات المشاعر الإنسانية وتشابك العلاقات داخل الأسرة. فالقضية الأسرية ليست مجرد ملف قانوني أو أوراق تُعرض أمام القاضي، بل هي حياة كاملة تتأثر وقلوب تتألم وأطفال قد يدفعون ثمن الصراع. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة إحياء روح القانون، ومزجه بقيم العدالة والرحمة التي رسخها الدين، ليس كشعارات تُرفع، بل كمنهج عملي لحل المشكلات من جذورها.
عقبات في طريق العدالة
المشكلة الحقيقية تبدأ أحيانًا من العقلية التي تدير المشهد القانوني. ففي كثير من الأحيان تميل بعض الممارسات إلى إنهاء الملفات أكثر من السعي لإصلاح النفوس. وهنا تتحول قضايا الأسرة إلى ساحات معارك قانونية، وكأنها حلبة ملاكمة يتصارع فيها طرفان، بينما يكون المجتمع هو الخاسر الأكبر.
حتى آليات مثل الوساطة والحكمين التي وُجدت في الأساس لاحتواء الأزمات قبل تفاقمها، تحولت في بعض الحالات إلى إجراءات شكلية تُستكمل بها أوراق الدعوى فقط، دون القيام بدورها الحقيقي في الإصلاح والتقريب بين الأطراف.
إن أنسنة القانون تعني أن يرى القاضي والمحامي والوسيط أمامهم عائلة تتألم لا مجرد رقم قضية في جدول المحكمة.

الحل من الجذور
إن معالجة مشكلات الأسرة بشكل حقيقي تتطلب تغييرًا أعمق من مجرد تعديل نصوص، بل تستلزم تغييرًا في منظومة التفكير القانوني، ويشمل ذلك:
تطوير عقلية القائمين على تطبيق القانون بحيث تكون الأولوية للإصلاح الاجتماعي قبل الحسم القضائي.
تفعيل الوساطة الحقيقية عبر متخصصين قادرين على احتواء النزاعات الأسرية نفسيًا واجتماعيًا.
إضفاء قدر من المرونة على النصوص القانونية بما يسمح بمراعاة الظروف الإنسانية لكل حالة.
خاتمة
القانون بلا روح يشبه جسدًا بلا حياة، والدين بلا حماية قانونية قد يضيع وسط الأهواء. لذلك نحن بحاجة إلى منظومة قانونية تمتص الغضب قبل أن تفجره، وعقليات تؤمن بأن انتصار طرف على الآخر داخل محكمة الأسرة قد يكون في الحقيقة خسارة للمجتمع كله.
فلنبدأ بمخاطبة العقول والقلوب معًا، كما فعلت الرسالات السماوية عبر التاريخ، ولنجعل من ميزان العدل أداة لبناء البيوت واستقرارها، لا مطرقة تهدمها.













