مشاهير

مساءلة الدولة في حالات الطلاق عالي النزاع: حين تتحول القضية الخاصة إلى اختبار للمؤسسات

مساءلة الدولة في حالات الطلاق عالي النزاع:

حين تتحول القضية الخاصة إلى اختبار للمؤسسات

تقول الدوقة نيفين الجمل، مديرة المملكة المتحدة – المعهد الأمريكي للدبلوماسية وحقوق الإنسان:

لم يعد الطلاق عالي النزاع مجرد خلاف عائلي بين طرفين، بل أصبح في كثير من الحالات اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية الحقوق، وضمان العدالة، وصون كرامة الأفراد، لا سيما عندما يكون الأطفال طرفاً في النزاع، أو عندما تتداخل عناصر عابرة للحدود، أو اتهامات تمس السمعة والسلامة النفسية

وتشير الجمل إلى أنها ناقشت هذا الملف في واشنطن، داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، ضمن لقاءات تناولت قضايا المساءلة المؤسسية وحماية الفئات الأكثر هشاشة، مؤكدة أن الإشكال لم يعد محلياً أو إقليمياً، بل أصبح موضوعاً ذا بعد دولي يتقاطع مع مبادئ الحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان.

وترى أن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود النزاع ذاته، بل في طريقة إدارة المؤسسات له، خاصة عندما تتداخل أدوار المحاكم، وأجهزة الحماية، والهيئات الإدارية، والجهات الرقابية، دون وجود مسارات واضحة للمساءلة والمتابعة.

وتوضح أن حالات الطلاق عالي النزاع تكشف أحياناً عن ما يمكن وصفه بـ«مسارات الفشل المؤسسي»، ومن أبرزها:

 • التأخير المفرط في الإجراءات، بما يضاعف الأذى النفسي للأطفال والأطراف المعنية.

 • ضعف التنسيق وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة.

 • قصور في آليات الإشراف والرقابة الإدارية.

 • صعوبات في إنفاذ القرارات، خاصة في النزاعات العابرة للحدود.

 • استخدام الفضاء الرقمي كأداة للتشهير أو الضغط دون استجابة مؤسسية حازمة.

وتطرح الجمل سؤالاً محورياً في هذا السياق: من يراقب أداء المؤسسات عندما تصبح هي نفسها جزءاً من الإشكال؟

وتؤكد أن الدعوة إلى المساءلة لا تعني التشكيك في نزاهة القضاء أو المؤسسات، بل تعني تعزيز الشفافية وتطوير أنظمة قادرة على تصحيح الأخطاء. فالدولة الحديثة، بحسب تعبيرها، لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار الأحكام، بل بقدرتها على مراجعة أدائها ومعالجة الثغرات بشكل منهجي.

كما تلفت إلى أن التعقيد يتضاعف في القضايا ذات الطابع الدولي، مثل النزاعات المرتبطة بجوازات السفر، أو نقل الأطفال بين دول مختلفة، أو تضارب الاختصاص القضائي، وهو ما يستدعي تعاوناً مؤسسياً عابراً للحدود، قائمًا على وضوح الإجراءات وسرعة التنسيق.

وتؤكد أن البعد الرقمي أصبح عاملاً مؤثراً في هذه النزاعات، حيث يمكن أن يتحول التشهير الإلكتروني أو تسريب المعلومات الخاصة إلى أداة ضغط تؤثر على مسار العدالة وعلى الصحة النفسية للأطراف، ما يتطلب أطرًا تنظيمية أكثر وضوحاً للتعامل مع الضرر الرقمي في سياق النزاعات الأسرية.

وترى الجمل أن التعامل مع الطلاق عالي النزاع ينبغي أن يتجاوز كونه «ملفاً قضائياً» إلى كونه ملفاً مؤسسياً متعدد الأبعاد، يشمل:

 • إصلاح آليات الإشراف الإداري وتعزيز الرقابة الفعالة.

 • تطوير برامج تدريب متخصصة للتعامل مع النزاعات الأسرية المعقدة.

 • وضع بروتوكولات أكثر فاعلية للإنفاذ العابر للحدود.

 • إرساء معايير واضحة لمواجهة الأذى الرقمي المرتبط بالنزاعات الأسرية.

وتختتم بالتأكيد على أن المسألة في جوهرها ليست صراعاً بين أفراد، بل اختبار لمدى قدرة المؤسسات على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهم الأطفال، وضمان أن العدالة ليست إجراءً شكلياً، بل منظومة متكاملة تحافظ على الثقة العامة.

فحين تتعثر إدارة النزاعات المعقدة، لا يخسر طرف واحد فحسب، بل تتأثر ثقة المجتمع في مؤسساته. ومن هنا، يصبح النقاش حول مساءلة الدولة في حالات الطلاق عالي النزاع نقاشاً أوسع حول الحوكمة والشفافية وحماية الكرامة الإنسانية في أكثر مراحل الحياة حساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى