مشاهير

نبوءات النبي ﷺ عن عسقلان وعَزَّة : بشارات النصر ووصايا الثبات في زمن الابتلاء

Oplus_131106

بقلم أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب

في زمنِ تشتدُّ فيه المحن ، وتتكاثرُ فيه الأسئلةُ عن مصيرِ الأمةِ وأسبابِ النصر ، تظلُّ كلماتُ النبي ﷺ نورًا يُضيءُ الدرب ، ويُذكِّرُ المؤمنينَ بأنَّ الألمَ ليس نهايةَ المطاف ، بل هو تمهيدٌ لِفجرٍ جديد. ومن هذه البشاراتِ النبويةِ ما أخبرَ به ﷺ عن ” مَقتَلَة عَزَّة ” وأحداثِ آخرِ الزمان ، وهي نصوصٌ تمسُّ قلبَ كلِّ مَنْ يعيشُ واقعَ الأمةِ اليوم ، خاصةً أهلَ فلسطين ، الذين يَصْبِرون على فقدِ الأحبّةِ ومرارةِ التيه ، لِيعلموا أنَّ دماءَ شهدائهم ستكونُ بذرةً لِتحريرِ الأرضِ والمقدسات.

لطالما ارتبطتْ “عَزَّة” ( غزة اليوم ) بِعسقلانَ تاريخيًا ، حتى إنَّ الإمامَ الشافعيَّ كان يقول :
” مرةً أنا من عَزَّة، ومرةً من عسقلان ” ، في إشارةٍ إلى التداخلِ الجغرافيِّ بين المدينتَين قبل العام 47 هـ. وهذا الارتباطُ التاريخيُّ يجعلُ من نبوءاتِ النبيِّ ﷺ عن عسقلانَ إشارةً مُباشرةً إلى مصيرِ غزةَ وأهلِها ، وكأنَّ التاريخَ يُعيدُ نفسَه بِرؤيةٍ نبويةٍ تُؤكِّدُ أنَّ هذه البقعةَ مِن الأرضِ ستكونُ مَسْرحًا لأحداثٍ عظيمةٍ تربطُ بين الماضي والمستقبل ، وتُجسِّدُ وَعْدَ اللهِ بالنصرِ للمُستضعفين.

من أبرزِ هذه النبوءاتِ ما رواهُ الدارقطنيُّ عن النبيِّ ﷺ : “عسقلانُ أحدُ العروسين ، يُبعثُ منها يومَ القيامةِ سبعون ألفًا لا حسابَ عليهم ، ويُبعثُ منها خمسون ألفًا شهداء … ” . إنَّ هذا الحديثَ يُشيرُ إلى معركةٍ مصيريةٍ ستشهدُها عسقلانُ (وما جاورها مِن أراضٍ مثل غزة) ، يخرجُ منها شهداءٌ يُكرَّمونَ في الآخرةِ تكريمًا لا مثيلَ له ؛ إذ يُغسَلونَ بنهرِ البيضِ ويَدخلونَ الجنةَ بِلا حساب ، وكأنَّ النبيَّ ﷺ يُخاطبُ أهلَ غزةَ اليومَ قائلًا :
” لا تيأسوا ، فدماؤكم سِفرُ خلودٍ في جنانِ الله”. ولا يخفى على أحدٍ أنَّ الواقعَ الحاليَّ يُجسِّدُ هذا الوصفَ النبويَّ ؛ فالشهداءُ الذين يسقطونَ دفاعًا عن الأرضِ هم أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون ، كما قال تعالى : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.

وفي روايةٍ أخرى عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما ، يُخبرُ النبيُّ ﷺ أنَّ عسقلانَ ستكونُ “مقبرةً بأرضِ العدوِّ ، يفتتحُها ناسٌ مِن أمتي ، ويُبعثُ اللهُ منها سبعين ألفَ شهيد “، وهنا بُشرى عظيمةٌ بأنَّ هذه الأرضَ ستعودُ إلى أهلِ الإيمانِ بعد جهادٍ عظيم ، وأنَّ شهداءَها سيكونونَ شُفعاءَ لِأُممٍ بأكملِها يومَ القيامة. فهل يُدركُ المُتآمرونَ على هذه الأمةِ أنَّ خُططَهم لن تَطمسَ نورَ الله ، بل ستُضيءُ طريقَ النصر ؟!

ولم تكن عسقلانُ في النصوصِ النبويةِ مجردَ أرضِ معركة ، بل ارتبطتْ بِأحداثِ الآخرةِ الجَلَلة ؛ فقد روى سعيدُ بنُ مَنصور في سُننه أنَّ النبيَّ ﷺ أوصى الصحابيَّ عوفَ بنَ مالكَ باللجوءِ إلى “جبلِ الخمر” ، موضحًا أنَّه ” أرضُ المحشر “، كما ترحَّمَ ﷺ ثلاثًا على مقبرةٍ ستكونُ بِعسقلان. هذه الإشاراتُ تُعلي مِن مكانةِ الأرضِ وشهدائِها في الميزانِ الإلهي ، وتجعلُ الصبرَ عليها جسرًا إلى الجنَّة.

ولعلَّ أعمقَ ما في هذه النبوءاتِ ارتباطُ النصرِ الكبيرِ بِعلامتَين : ” ظهورُ فسطاطين ” (الإيمانِ والنفاق) ، و”زالخذلانُ الكبير “، حيثُ يتخلَّى كثيرون عن نُصرةِ الحقِّ . وهاتان العلامتانِ ليستا نظريتَين ، بل هما واقعٌ نعيشُ تفاصيلَه اليوم ؛ فانقسامُ الأمةِ إلى صفٍّ يُمسكُ بِجمرِ الإيمان ، وآخرَ يُهادنُ أعداءَ الله ، دليلٌ على أنَّ النصرَ باتَ قابَ قوسينِ أو أدنى. وكما قال ﷺ : “يأتي على الناسِ زمانٌ ، الصابرُ على دينِه كالقابضِ على الجمر” ، فإنَّ اشتدادَ الفتنِ هو إيذانٌ بِفجرِ النصر.

أمَّا أهلُ عَزَّة ، فقد خصَّهم النبيُّ ﷺ بِبُشرى لا تُضاهى : “وليعلمْ أهلُ عَزَّةَ أنَّ الصابرينَ منهم هم عُرسُ جنانِ الله” . هذه العبارةُ تحملُ في طياتِها معانٍ تُحيي القلوبَ : فالصابرونَ مُختارونَ لِيكونوا قُربانًا للجنةِ ، ونصرُهم ليس تحريرَ أرضٍ فحسب ، بل تمكينًا لِدينِ اللهِ في الأرضِ ، وشهادتُهم ليست نهايةً ، بل بِدايةَ حياةٍ أبديةٍ يَسْعَدُ فيها مَنْ ضحَّى بِروحِه لِيرى أمَّتَه تُشرقُ بِعدلِ الإسلام.

في الختام ، فإنَّ كلماتِ النبيِّ ﷺ ليستْ حكاياتٍ مِن الماضي ، بل منهجًا لِفهمِ الواقعِ واستشرافِ المستقبل . فالخذلانُ والانقسامُ والفتنُ ليستْ علاماتِ هزيمة ، بل إرهاصاتِ نصرٍ يُعيدُ للأمةِ مجدَها ، فالثباتُ هو السَّرُّ الأكبر ؛ الثباتُ على الإيمانِ حينَ يتنكَّرُ له الجميع ، والثباتُ على نُصرةِ المظلومِ حينَ يُخَذَّل ، والثباتُ على يقينِ أنَّ وعدَ اللهِ حق : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ فلننشرِ البُشرى ، ولنُذكِّرْ أنَّ دماءَ الشهداءِ ستنبتُ أرضًا جديدةً ، تُعيدُ للأمةِ عزَّها ، وتُحيي في قلوبِ الأجيالِ أملًا لا يموت.

سنلتقى إن كان فى العمر بقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى