وداعاً لكل ما يثقل الروح : حين يصنع الفراغ معنىً للحياه

بقلم الكاتب الصحفى : أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب
الحياة ليست متحفاً نحتفظ فيه بكل تفصيلة عابرة ، ولا سجلاً نُدَوِّن عليه كل لحظة مرت كأنها كنزٌ لا يُعوَّض ، إنها رحلةٌ متدفقةٌ كالنهر ، تُجبرنا أحياناً على ترك الصخور التي تَعوق جريانها ، وتدفعنا إلى أن نُطلِقَ ما نَحمله من أثقالٍ لنَطفو بِخِفَّة ، فكم مِن أشياءٍ تَعلَّقنا بها ظنّاً أنها تُكملنا ، لكنها في الحقيقة كانت تُكمِّم أنفاسنا ، وتسرق منا فرحَ الاكتشاف ، ليس علينا أن نكون حراساً لكل شيء ؛ فبعض الذكريات تذبل كالزهر ، وبعض العلاقات تنتهي كالفصل الأخير من كتاب ، وبعض الأحلام تتحول إلى غبارٍ يُذريه الهواء ، ولكن القدر ، برغم مفاجآته القاسية ، غالباً ما يَصنع من ألمنا جسراً نحو تحوُّلٍ كنا نَحتاجه دون أن نَدري.
فالتعلقُ بالدنيا أشبه ببناء قصرٍ على رمالٍ متحركة .
حيث جاء في كتاب “صيد الخاطر” لابن الجوزي :-
” مَن تفكَّر في عواقب الدنيا ، أخذ الحذر … فبلاء الفتى موافقة النفس ، وبدء الهوى طموح العين ”
فحين نتمسك بِمُتاعٍ زائلٍ كالمال أو المنصب ، نُضيِّع فرصةَ أن نعيش بِقلبٍ خفيف . أما حين نُطلق ما لا يَخدمنا ، نَصنع مساحةً لِما هو أعمق :- لِلحب ، لِلنمو ، لِلقُدرة على التنفس بِحرية.
فالحياة لا تُقاس بِكمِّ ما نجمعه ، بل بِجَودة ما نُخلِّفه وراءنا حين نُقرر أن نَمضي.
أما الموت ، ذلك الحارس الغامض ، يُذكِّرنا بأن الفراق جزءٌ من دورة الوجود .
– في قصة ” الطيبون يرحلون وكذلك الأشرار “، يُصارح الراوي الموتَ قائلاً :-
“إني أكرهك لأنك أخذت أبي ، لكني أعلم أنك ستفعل بي ذاتَ الأمر “.
ربما يكون الموت أقسى أشكال ” الذهاب “، لكنه يُعلِّمنا أن التمسك بِمَن رحلوا يُعيق قدرتنا على استقبال مَن سيأتون ، فالأشياء التي نُطلقها لا تختفي ؛ بل تتحول إلى دروسٍ نحمِلها في صدرنا ، أو إلى ذكرياتٍ تُضيء طريقنا حين نَضل .
حتى في الحب ، قد نُضطر إلى ترك مَن لا يَنتمي إلينا ، تقول إميلي في فيلم ” العروس الجثة ” :-
” أحبك ، لكنك لست أنا ” . فالحب الحقيقي لا يُقيّد ، بل يُحرر .
إنه يدعونا إلى أن نَترك مَن يُصغّر وجودنا ، أو يُشوِّه أحلامنا ، لنَجد مَن يُناغي روحنا . فكما أن الشجرة تُسقط أوراقها الميتة لتُزهِر من جديد ، علينا أن نُخلي قلوبنا من كل ما يُثبِّط خطواتنا نحو النور.
فلا يعني ” الذهاب ” الهروب ، بل هو شجاعةُ الاعتراف بأن بعض الأشياء وُلدت مُؤقتة .
” إذا نظرتَ بعين التفاؤل إلى الوجود ، لرأيت الجمال شائعاً في كل ذراته “.
فحين نَترك ما يُعكّر صفونا ، نَفسح المجال لِما هو أجمل ، قد نُفاجأ بأن القدر يَمُدُّنا بِفرصٍ لم نكن لنَراها لو بَقينا مُرتَبطين بِماضٍ بائد .
ففي النهاية ، الحياة تُشبه حديقةً مُتجددة :-
تُذبل بعض الأزهار لتُولد أُخرى . والقلبُ الذي يَجرؤ على إطلاق ما يُعطِّل سيره ، يَجد أن الفراغ ليس فراغاً ، بل هو بذرةُ اكتمالٍ جديد ، فالثقةُ في أن القَدَرَ يَحمِل بين طيّاته حِكمةً تفوق إدراكنا ، تجعلنا نَتنفس بِرِضى ، ربما تأتي اللحظة التي ننظر فيها إلى الوراء ، فَنضحك من تمسكنا بِما كان يَستحقُّ أن يُترَك . لأن الحياة ، بِكلِّ ما فيها من مُفاجآت ، تَصنع من ألمنا قوة ، ومن فُقداننا بداية.
فوداعاً لكلِّ ما كان … ففي كلِّ فراقٍ بَذرةُ لقاءٍ جديد ، وفي كلِّ نهايةٍ مَفتاحُ بَدءٍ لم نَكُن نَعرف أننا نَشتاق إليه
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه