يا من تجرُّ أذيالَ التعبِ إلى المحراب : أرفع رأسك ، فواللهِ مأجورٌ …
بقلم الكاتب الصحفى أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب
لا يُقاس ثقل العبادة بمدى إنحناء الظهر في السجود ، ولا بعدد الركعات التي تُؤدَّى بجسدٍ مُتيقِّن ، بل بصدق الهمّة التي تُبذَلُ وسط زحام الألم ، الله تعالى لا ينظر إلى الصورة الظاهرة فحسب ، بل يغوص في أعماقك ، ويُحصي أنفاسك المتعبة ، ويُكافئك على كل خطوة تُجَرُّها نحو محرابك وأنت تحمل جبالًا من الهموم ، فالذي يعبد اللهَ في رخاءٍ ونعمةٍ ، وذاك الذي يزحف إلى محرابه بقلبٍ مُنهَكٍ ونفسٍ مُثقَلةٍ بالكآبة ، ليسا سواءً عند من يعلم سرَّكَ وجهرك ، ويعلم أنَّ ما تبذله من جهدٍ لترفع يديك بالدعاء هو أعظمُ أجرًا وأجلُّ قدرًا .
– المقياس الإلهي : النية قبل الحركة …
يقول الرسول ﷺ : « إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم »
فالإنسان الذي يجد لذّةً في الوقوف بين يدي ربّه ليس كالمُصلي الذي يُجاهد نفسه لترك الفراش ، ويُصارع أفكارًا سوداء تُهمس له : ” لا تُصلِّي ” الله يُعطي الثاني أجرًا مضاعفًا ؛ أجر العبادة ، وأجر المجاهدة ، وأجر الصبر على ابتلاءٍ لا يعلم شدّته إلا هو ، فكلّما اشتدَّتْ عليكَ الظروف ، وازداد العبورُ إلى طاعة الله صعوبةً ، ازدادتْ موازينُ حسناتكَ ثقلاً ، فالأجرُ ليس على كمّ العبادات فقط ، بل على كمّ العوائق التي تحطمها كي تُعبِّر عنها .
– الاكتئاب ليس نقصان إيمانٍ ، بل اختبارٌ للقلوب …
قد يظنُّ البعضُ أنَّ الحزنَ الطويلَ أو الضغطَ النفسيَّ دليلٌ على ضعفٍ روحيٍّ ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ الله يختبرُ به عباده ليرى كيف يُحافظون على جمرة الإيمان تحت ركام اليأس ، ألم يقل النبيُّ ﷺ : « عجبًا لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ : إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له ».
حتى الدموعُ التي تُسكبُ في جوف الليل تُحسبُ عبادةً ، لأنَّها صرخةُ قلبٍ يلوذُ بكريمٍ لا يخذلُ مُناجيًا .
– يا من تجرُّ أذيالَ التعبِ إلى المحراب : أرفع رأسك ، فواللهِ مأجورٌ …
لا تستهِن بخطواتك البطيئة ، ولا تُحاسِب نفسك ، لأنَّ عبادتك ليست كـ “الآخرين”. أنت تُحارب في معركةٍ لا يعلمُ شراستَها إلا الله ، وكلُّ حركةٍ تُكملها هي نصرٌ يُكتَبُ لك .
فتذكّر أنَّ اللهَ يُحبُّ العبدَ المُتفطّرَ إليه ، المُتضرّعَ في الظلام ، المُمسكَ بأهدابِ الأملِ وهو يسمعُ همساتِ الشيطان : “اتركه”.
ثق أنَّ سجدةً واحدةً مِن قلبٍ مُنكسِرٍ تُضيءُ في السماءِ كما تُضيءُ شهبُ السماءِ ، وأنَّ اللهَ يُحدّثُ ملائكتَه عنك .
– دمعةٌ تُنثرُ في المحرابِ تُروي سجلَّ الأجر …
فيا من تُخفي آهاتكَ خلفَ ابتسامةٍ ، ويا من تَسحبُ نفسَكَ إلى الصلاةِ كأنك تسحب جبلًا ، إعلم أنَّ اللهَ يُمسحُ دمعتكَ قبل أن تسقطَ ، ويُحصي أوجاعكَ قبل أن تُعبِّر عنها ، ويَعدُكَ بأجرٍ لا يُقدَّرُ إلا في جنّته ، فواللهِ ، ما أقسى الابتلاءَ إلا ليعلمَ كمْ في قلبكَ من إيمانٍ يُشعِلُ الظلامَ ، وواللهِ مأجورٌ مَن يُصلّي بجسدٍ منهَكٍ ، وواللهِ مأجورٌ مَن يُضحّي بآخرِ قوتهِ كي يقول : “يا ربّ”. فلا تيأس ، فربُّكَ لم ينسَاك .
فالله معكَ حيثُ كنتَ ، ألمْ يكنْ في قلبِ المحنةِ مُمسكًا يدكَ ؟ ألمْ يكنْ في كلِّ مرةٍ تُهمُّ فيها بالانسحابِ أُراكَ نورًا في الطريقِ ؟ فثق به !!! فالأجرُ ينتظرُ ، والفرجُ قريبٌ ، والجَمالُ الذي تُخبّئه لكَ السماواتُ لا يُقاسُ بكلِّ هذا الألمِ .
✍️ كلماتُى الختاميه لك أيها القارئ الجميل :-
لا تندب ضعفَكَ ، فاللهَ يُحبُّ الضعفاءَ ليعزّهم بأجرِ الصبرِ ، ولا تُحزن نفسك إن قصرتَ ، فربُّكَ يرى جهادَكَ الخفيَّ ويُثني عليه ، وأعلم أنَّ يومًا سيأتي تُفتحُ فيه أبوابُ السماءِ ، وتجعلك تنسى كل شئ أثقلك وأحزنك .
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه