مشاهير

لِمَاذَا نُرْهِقُ أَنْفُسَنَا لِإِرْضَاءِ الْآخَرِينَ؟

لِمَاذَا نُرْهِقُ أَنْفُسَنَا لِإِرْضَاءِ الْآخَرِينَ؟

اِسْتِبْصَار

✍️ عَبْدُاللهِ فَارِس

هل سبق لك أن وافقت على شيء لا تريده، فقط حتى لا تغضب شخصًا تحبه؟

هل قلت «نعم» بينما كان بداخلك صوت واضح يقول «لا»؟

هل اعتذرت عن موقف لم تخطئ فيه، أو تحملت ما يفوق قدرتك، فقط خوفًا من أن يراك الآخرون شخصًا سيئًا أو أن يبتعدوا عنك؟

إذا كانت إجابتك نعم، فأنت لست بالضرورة شخصًا ضعيفًا، وربما لا تكون المشكلة في طيبتك أصلًا.

أحيانًا تكون المشكلة أعمق من ذلك.

أن يصبح رضا الآخرين مقياسًا لقيمتنا نحن.

عندما يصبح قبول الآخرين ضرورة

هناك فرق بين أن نهتم بمشاعر الآخرين، وبين أن تصبح مشاعرهم مسؤولة عن شعورنا بقيمتنا.

الشخص المتوازن يستطيع أن يقول:

«أنا أحترمك، لكن ليس من الضروري أن توافق عليّ دائمًا.»

أما الشخص الذي اعتاد إرضاء الآخرين فقد يشعر بالذنب لمجرد أن يرفض طلبًا، أو بالقلق عندما يختلف مع شخص آخر، أو بالخوف من أن يؤدي وضع الحدود إلى فقدان العلاقة.

وهنا يبدأ الإرهاق.

لأنه يصبح في حالة مراقبة مستمرة:

ماذا سيقولون؟

هل زعلوا؟

هل فهموني خطأ؟

هل ما زالوا يحبونني؟

هل أخطأت عندما قلت «لا»؟

وهكذا يتحول الإنسان من شخص يعيش حياته إلى شخص يدير حياته وفقًا لردود أفعال الآخرين.

ماذا يقول العلاج المعرفي السلوكي؟

في العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، لا ننظر فقط إلى السلوك الظاهر، وإنما نهتم أيضًا بالأفكار والمعتقدات التي تقف خلفه.

فقد يكون السلوك:

«أوافق رغم أنني لا أريد.»

لكن وراءه فكرة مثل:

«إذا رفضت، فسوف يكرهني.»

وقد تكون وراءها فكرة أعمق:

«يجب أن يحبني الجميع حتى أكون شخصًا جيدًا.»

أو:

«إذا اختلف معي أحد، فهذا يعني أنني أخطأت.»

المشكلة هنا ليست في كلمة «نعم» نفسها، وإنما في المعنى الذي نعطيه لكلمة «لا».

إذا كنت ترى أن رفض طلب شخص ما يعني أنك أناني، فمن الطبيعي أن تشعر بالذنب عندما ترفض.

أما إذا أصبحت ترى أن:

«من حقي أن أرفض ما لا يناسبني، دون أن يعني ذلك أنني شخص سيئ»

فسيبدأ سلوكك في التغير.

وهنا تظهر إحدى أهم أفكار CBT:

أفكارنا تؤثر في مشاعرنا، ومشاعرنا تؤثر في سلوكنا، وسلوكنا بدوره قد يعزز الأفكار نفسها.

الدائرة التي تستنزفنا

قد تبدأ الدائرة بفكرة بسيطة:

«لا أريد أن أخسر هذا الشخص.»

فتشعر بالقلق.

ثم تقول «نعم» رغم أنك لا تريد.

تشعر بالراحة مؤقتًا لأن المشكلة انتهت.

لكن بعد ذلك تشعر بالضغط أو الغضب أو الاستياء.

ثم تلوم نفسك.

وفي المرة القادمة يصبح رفضك أكثر صعوبة.

وهكذا تتكرر الدائرة.

وهذا يفسر لماذا قد يعرف الإنسان عقليًا أنه يجب أن يضع حدودًا، لكنه يجد صعوبة حقيقية في تنفيذ ذلك.

هل إرضاء الآخرين مشكلة نفسية؟

ليس بالضرورة.

أن تحب مساعدة الآخرين، وأن تراعي مشاعرهم، وأن تكون متعاونًا ومحترمًا، كلها أمور صحية وإنسانية.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى نمط متكرر يسبب معاناة أو يؤثر في العلاقات أو العمل أو الحياة اليومية.

فليس كل شخص يحب إرضاء الآخرين يعاني اضطرابًا نفسيًا، ولا يصح أن نضع تشخيصًا لمجرد وجود هذا السلوك.

لكن في بعض الحالات، قد يرتبط السلوك بمشاعر أعمق مثل القلق، أو انخفاض تقدير الذات، أو الخوف الشديد من الرفض، أو أنماط تفكير غير مرنة.

وهنا يكون فهم جذور المشكلة أهم من مجرد مطالبة الشخص بأن «يتوقف عن إرضاء الآخرين».

من أين جاء هذا الاحتياج؟

أحيانًا نتعلم منذ الصغر أن قيمتنا مرتبطة برضا الآخرين.

الطفل الذي يسمع باستمرار:

«كن مؤدبًا حتى يحبك الناس.»

«لا تغضب أحدًا.»

«لا تقل لا.»

«ماذا سيقول الناس عنك؟»

قد يكبر وهو يربط القبول الاجتماعي بالأمان والقيمة الشخصية.

وبمرور الوقت، قد يتحول هذا إلى اعتقاد داخلي:

«لكي أكون محبوبًا، يجب أن أكون كما يريد الآخرون.»

وهنا لا يعود الشخص يسأل:

ماذا أريد؟

بل يسأل دائمًا:

ماذا يريدون مني؟

المشكلة ليست أن تقول «نعم»… بل أن تفقد حقك في قول «لا»

هناك «نعم» نابعة من الحب.

وهناك «نعم» نابعة من الخوف.

هناك «نعم» لأنك تريد المساعدة.

وهناك «نعم» لأنك تخشى الرفض.

والفرق بينهما كبير.

أن تقول:

«نعم، أستطيع مساعدتك.»

شيء صحي.

أما أن تقول:

«نعم، رغم أنني منهك ولا أستطيع، لكنني أخشى أن تغضب مني.»

فهنا يستحق الأمر التوقف والتفكير.

كيف نبدأ في التغيير؟

ليس المطلوب أن تتحول فجأة إلى شخص يرفض كل شيء.

التغيير يبدأ بخطوات صغيرة.

قبل أن توافق على أي طلب، اسأل نفسك:

هل أريد فعلًا أن أفعل هذا؟

هل أستطيع؟

هل أوافق لأنني مقتنع، أم لأنني خائف؟

ماذا أتوقع أن يحدث إذا قلت «لا»؟

ثم اسأل نفسك سؤالًا مهمًا من منظور CBT:

ما الدليل الحقيقي على أن رفضي سيجعل هذا الشخص يكرهني أو يتركني؟

قد تكتشف أن بعض مخاوفك ليست حقائق، وإنما توقعات صنعها عقلك.

ضع حدودك دون قسوة

الحدود لا تعني أن تصبح أنانيًا.

يمكنك أن تقول:

«أقدر طلبك، لكن لا أستطيع.»

«أتفهم وجهة نظرك، لكنني أختلف معك.»

«أحتاج بعض الوقت قبل أن أقرر.»

«هذا الأمر لا يناسبني.»

هذه الجمل لا تحمل عدوانًا، لكنها تحمل احترامًا للنفس.

والشخص الذي يحترمك حقًا قد لا يحب كل قراراتك، لكنه يستطيع أن يحترم حقك في اتخاذها.

وفي النهاية…

ربما لا تحتاج أن تجعل الجميع يحبونك.

وربما لا تحتاج إلى أن تثبت طوال الوقت أنك شخص جيد.

أحيانًا تكون أكثر العلاقات صحة هي تلك التي تستطيع فيها أن تكون نفسك دون أن تعيش في خوف دائم من فقدان قبول الآخرين.

اهتم بالآخرين، نعم.

ساعدهم، نعم.

كن رحيمًا ومحترمًا، نعم.

لكن لا تجعل ذلك كله يأتي على حساب نفسك.

لأنك عندما تقضي حياتك في محاولة إرضاء الجميع، قد تنجح في أن يرضى عنك كثيرون…

لكن السؤال الأهم هو:

هل أصبحت أنت راضيًا عن الطريقة التي تعيش بها حياتك؟

وأحيانًا، تكون أول خطوة نحو السلام النفسي هي أن تتعلم أن تقول:

«لا»… دون أن تشعر أنك شخص سيئ.

اِسْتِبْصَار

✍️ عَبْدُاللهِ فَارِس

╭────── ✨ ──────╮

✍️ 𝓐𝓫𝓭𝓪𝓵𝓵𝓪𝓱 𝓕𝓪𝓻𝓮𝓼 | 𝓟𝓼𝔂𝓬𝓱𝓸𝓵𝓸𝓰𝓲𝓬𝓪𝓵 𝓒𝓸𝓪𝓬𝓱

& 𝓛𝓲𝓯𝓮 𝓒𝓸𝓪𝓬𝓱

╰────── ✨ ──────╯

https://www.facebook.com/share/1EqmDdmsQC/?mibextid=wwXIfr

رقم التواصل : 01090929056

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى