أخبار

قبل قرار الفيدرالي… الحصان الأصفر يتحرك بصمت فهل يفكّ اللجام وينطلق بقوة؟

 

بقلم: البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد
خبير الذهب العالمي والخبير الدولي في تحليل أسواق الذهب والمعادن الثمينة

تدخل الأسواق العالمية أسبوعًا قد يكون من أكثر الأسابيع حساسية وتقلبًا، مع اقتراب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يومي 28 و29 يوليو 2026، وصدور قرار الفائدة مساء الأربعاء 29 يوليو، يليه المؤتمر الصحفي لرئيس الفيدرالي.

وقبل الإعلان، بدأ الحصان الأصفر يتحرك مع افتتاح الأسواق العالمية، ولكن بخطوات محسوبة وحذرة؛ فالذهب يقف اليوم بين قوتين متعارضتين: قوة المخاطر الجيوسياسية ومخاوف التضخم التي تمنحه الدعم، وقوة ارتفاع الدولار وعوائد السندات التي تضع اللجام مؤقتًا حول اندفاعه.

السندات تدق جرس الإنذار

المشهد الأخطر لا يأتي من الذهب وحده، بل من سوق سندات الخزانة الأمريكية، حيث ارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى نحو 4.37%، وصعد عائد العشر سنوات إلى قرابة 4.71%، بينما اقترب عائد السندات لأجل 30 عامًا من 5.19%؛ وهي مستويات تعكس قلق المستثمرين من استمرار التضخم واحتمال بقاء السياسة النقدية متشددة مدة أطول.

كما ارتفعت توقعات الأسواق لاحتمال رفع الفائدة في اجتماع يوليو إلى نحو 38%، بعدما كانت تقارب 12% قبل أسبوع، وهو تحول كبير يكشف حجم الارتباك وعدم اليقين المسيطر على المستثمرين.

ولا يعني ذلك أن رفع الفائدة أصبح محسومًا؛ فاستطلاع حديث لوكالة رويترز أظهر أن متوسط توقعات الاقتصاديين ما زال يميل إلى تثبيت الفائدة، مع ارتفاع المخاوف من إمكانية اللجوء إلى الرفع لاحقًا إذا استمرت الضغوط التضخمية.

النفط يشعل التضخم ثم يتراجع

شهد النفط خلال الفترة الماضية ارتفاعات قوية مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية ومخاوف اضطراب الإمدادات، وهو ما أعاد التضخم إلى صدارة المشهد ودفع المستثمرين إلى تسعير سياسة نقدية أكثر تشددًا.

لكن التراجع الأخير في أسعار النفط بعد ظهور بوادر تهدئة منح الأسواق بعض الارتياح، وفتح الباب أمام تحرك الذهب مجددًا. ومع ذلك، فإن انخفاض النفط قد يحمل تأثيرين متناقضين: فهو يخفف مخاوف التضخم ويقلل الحاجة إلى رفع الفائدة، وهذا إيجابي للذهب، لكنه قد يقلص مؤقتًا الطلب الجيوسياسي على الملاذات الآمنة.

لماذا لم ينطلق الذهب بقوة حتى الآن؟

لأن المستثمرين لا يريدون مطاردة الأسعار قبل سماع الكلمة الأخيرة من الفيدرالي.

وقد تعرض الذهب سابقًا لضغوط قوية عندما ارتفعت أسعار الطاقة وعوائد السندات والدولار، إذ تراجع بأكثر من 2% إلى قرب 4043 دولارًا للأوقية، بعدما دفعت مخاوف التضخم الأسواق إلى رفع توقعاتها بشأن تشديد السياسة النقدية.

وهنا يظهر المشهد بوضوح: الذهب ليس ضعيفًا، لكنه ينتظر فكّ اللجام. كلما ارتفعت العوائد والدولار يتراجع اندفاعه، وكلما انخفضت توقعات رفع الفائدة أو تصاعدت المخاطر، يستعيد قوته بسرعة.

هل ينطلق الحصان الأصفر بعد الإعلان؟

الإجابة ترتبط بثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: تثبيت الفائدة مع خطاب متوازن

إذا أبقى الفيدرالي الفائدة عند نطاق 3.50%–3.75%، وأشار إلى أنه سيتحرك وفق البيانات من دون التزام مسبق برفع جديد، فقد تتراجع عوائد السندات والدولار، وعندها يحصل الذهب على الوقود اللازم للانطلاق.

هذا السيناريو قد يدفع الحصان الأصفر إلى استعادة زخمه واختبار مناطق المقاومة الأخيرة، خصوصًا إذا أكد الفيدرالي أن تباطؤ الاقتصاد أو سوق العمل يستوجب الحذر.

السيناريو الثاني: تثبيت الفائدة بلهجة متشددة

قد يثبت الفيدرالي الفائدة، لكنه يعلن استعداده للرفع إذا استمر التضخم أو عادت أسعار النفط إلى الارتفاع. في هذه الحالة قد نشاهد هزة سريعة للذهب، وربما تراجعًا مؤقتًا، قبل أن يعيد المستثمرون تقييم التفاصيل.

فالأسواق لا تتفاعل مع القرار وحده، بل مع كل كلمة في البيان والمؤتمر الصحفي.

السيناريو الثالث: رفع الفائدة بصورة مفاجئة

رفع الفائدة ربع نقطة قد يدفع الدولار والعوائد إلى الصعود ويضغط على الذهب لحظيًا. لكن استمرار الذهب تحت الضغط ليس مضمونًا؛ لأن الرفع المفاجئ قد يثير مخاوف تباطؤ الاقتصاد واضطراب الأسهم والائتمان، وعندها يعود الطلب على الذهب بصفته ملاذًا استراتيجيًا.

وقد تكون الحركة الأولى بعد القرار خادعة، بينما يظهر الاتجاه الحقيقي عقب استيعاب الأسواق لتصريحات رئيس الفيدرالي وتوقعاته للاجتماعات المقبلة.

كلمة هاني حمد

إن الحصان الأصفر قبل إعلان الفيدرالي لا يتراجع عن السباق، بل يتحرك بحذر وهو يراقب عوائد السندات والدولار والنفط والتضخم. وما يحدث حاليًا ليس ضعفًا في الذهب، وإنما مرحلة تجميع وانتظار للشرارة التي تحدد اتجاه الانطلاقة المقبلة.

وأرى أن قرار 29 يوليو لن يكون مجرد قرار فائدة عادي، بل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية السياسة النقدية الأمريكية وقدرتها على مواجهة التضخم من دون دفع الاقتصاد نحو تباطؤ حاد.

إذا جاء القرار بالتثبيت، وبدت لهجة الفيدرالي أقل تشددًا من توقعات السوق، فقد يُفك اللجام وينطلق الحصان الأصفر بقوة. أما إذا جاءت المفاجأة برفع الفائدة أو بلهجة شديدة، فقد نشهد عاصفة من التقلبات قبل أن يستعيد الذهب توازنه.

والخلاصة:

الذهب لم يقل كلمته الأخيرة… والحصان الأصفر لا يزال عند بوابة الانطلاق، لكن مفتاح البوابة هذه المرة سيكون في يد الفيدرالي الأمريكي مساء 29 يوليو

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى