مشاهير

عراب التغيير … محمد حسين يكتب علي صفحته الإدارة بين البلح … وتقارير البطيخ…

عراب التغيير … محمد حسين يكتب علي صفحته 

 الإدارة بين البلح … وتقارير البطيخ…

 في مصر، عندما نريد وصف شيء يبدو جيدًا من الخارج لكنه مخيب للآمال في حقيقته، نقول عنه بالعامية: “ده بلح!”. أما في عالم إدارة التغيير والتطوير التنظيمي، فهناك مصطلح عالمي أكثر دقة هو Watermelon Reporting أو تقارير البطيخ.

وسُميت بهذا الاسم لأن البطيخة تبدو خضراء من الخارج، فتمنح انطباعًا بأن كل شيء يسير بصورة ممتازة، بينما تكشف عند فتحها عن لون أحمر يرمز إلى المخاطر والمشكلات التي لم تظهر في التقارير. أما البذور السوداء فترمز إلى الأزمات الكامنة التي تنمو بصمت داخل المؤسسة، حتى تنفجر في مرحلة لاحقة إذا لم تُكتشف مبكرًا.

وفي رأيي، لا تمثل تقارير البطيخ مجرد مشكلة في التقارير، بل هي أحد أخطر أسباب فشل برامج التغيير المؤسسي. فقد تبدو المؤسسة ناجحة على الورق، بينما تعاني في الواقع من ضعف الجاهزية، وغياب القناعة، وارتفاع مقاومة التغيير، وضعف التبني، وتراجع الالتزام القيادي، وهي كلها مؤشرات لا تظهر في التقارير التقليدية.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي قائد هو أن يطمئنه تقرير، بينما تُخبره المنظمة بحقيقة مختلفة تمامًا.

كيف تمنع برنامج التغيير من التحول إلى “بطيخة”؟

1. استعِن بخبير سبق أن قاد تغييرات حقيقية.

إدارة التغيير ليست معرفة نظرية، بل خبرة عملية تراكمت من التعامل مع البشر والثقافات والأزمات. فالتغيير يشبه الجراحة؛ قراءة الكتب لا تجعل صاحبها جراحًا، وفهم النماذج وحده لا يكفي لقيادة تحول مؤسسي معقد.

2. ابدأ بقياس الجاهزية الشاملة قبل اتخاذ أي خطوة.

قيّم جاهزية القيادة، والثقافة التنظيمية، والكفاءات، والعمليات، والاتصالات، والقدرات المؤسسية. فكلما ارتفعت الجاهزية، انخفضت تكلفة التغيير ومقاومته.

3. اجعل التغيير تدريجيًا كلما أمكن.

المؤسسات لا تتغير بالصدمة، بل بالتدرج المدروس. فالتدرج يمنح الأفراد الوقت الكافي للفهم، واكتساب المهارات، وبناء الثقة.

4. أدر المقاومة باحترافية ولا تعتبرها عدوًا.

صنّف المقاومة إلى أنواعها المختلفة، وحدد أسبابها الحقيقية، ثم اختر التدخل المناسب لكل فئة. فالمقاومة ليست دائمًا رفضًا، بل قد تكون رسالة تحذير تستحق الاستماع.

5. لا تقِس تنفيذ الأنشطة… بل قِس تبني التغيير.

المعيار الحقيقي ليس عدد الاجتماعات أو الدورات التدريبية، وإنما مدى تغير السلوك، وارتفاع معدلات التبني، وتحول الممارسات الجديدة إلى واقع يومي.

6. ابنِ تحالفًا قياديًا يقود التغيير بالفعل.

أي برنامج تغيير يفتقد قيادة ملتزمة ومرئية سيفقد زخمه سريعًا مهما كانت جودة الخطة.

7. اجعل التواصل حوارًا مستمرًا لا رسائل موسمية.

الأفراد لا يقاومون التغيير بقدر ما يقاومون الغموض. وكلما زادت الشفافية، انخفضت الشائعات والمخاوف.

8. عالج تهديد الكفاءة قبل أن يتحول إلى مقاومة.

عندما يشعر الأفراد أن التغيير يهدد خبراتهم أو مكانتهم، ترتفع المقاومة. لذلك يجب الاستثمار في التدريب، والدعم، وإعادة بناء الثقة.

9. كافئ السلوك الجديد ولا تكتفِ بالإعلان عنه.

لن يستمر أي تغيير إذا ظلت أنظمة التقييم والمكافآت تكافئ السلوك القديم.

10. لا تثق في اللون الأخضر… بل تحقق من الواقع.

أفضل تقارير التغيير ليست تلك التي تخلو من المشكلات، وإنما تلك التي تكشفها مبكرًا، لأن اكتشاف الحقيقة في الوقت المناسب هو البداية الحقيقية لنجاح التغيير.

في إدارة التغيير، أخطر التقارير ليست الحمراء، بل الخضراء التي تُخفي واقعًا أحمر. فالتغيير لا يفشل عندما تظهر المشكلة، بل عندما تُخفى حتى تصبح أزمة. وهنا تولد “تقارير البطيخ”.

#د_محمد_حسين 

#خبير_ادارة_التغيير_والتطوير_المؤسسي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى