مشاهير

«معجزة» المطر بعد 170 عامًا… رسالة سلام من قلب القدس: ما رأيته بعيني كان أقوى مما تصنعه لنا الشاشات

«معجزة» المطر بعد 170 عامًا… رسالة سلام من قلب القدس: ما رأيته بعيني كان أقوى مما تصنعه لنا الشاشات

ذهبت إلى الأرض المقدسة وأنا أحمل سؤالًا ظل يرافقني طوال الرحلة:

كيف يمكن لأرض اجتمع فيها إرث الأنبياء أن تتحول إلى سبب يكره من أجلها أتباع هؤلاء الأنبياء بعضهم بعضًا؟

وقفت أمام الصخرة المشرفة داخل قبة الصخرة، في قلب مكان ارتبط في الذاكرة الإسلامية برحلة الإسراء والمعراج للنبي محمد ﷺ. والقرآن الكريم يثبت الإسراء إلى المسجد الأقصى، وإن كان لا يحدد صخرة بعينها بوصفها النقطة الدقيقة التي بدأ منها المعراج.

لكنني هناك لم أجد نفسي منشغلة بالحجر وحده.

وجدتني أفكر في المعنى.

فالقدس ليست مجرد جغرافيا تتنازع عليها الروايات، بل مساحة تتقاطع فيها ذاكرة اليهودية والمسيحية والإسلام، ويقف فيها الإنسان أمام آلاف السنين من الإيمان والخوف والصراع والأمل.

ومن أمام الصخرة خرجت بسؤال أعمق:

إذا كنا نقدّس الأرض، فلماذا لا نقدّس الإنسان الذي يعيش فوقها؟

ما رأيته بعيني

قبل أن أصل، كانت الصورة التي تصلني — كما تصل إلى ملايين الناس في بريطانيا وأمريكا والعالم — مرتبطة في معظمها بالحرب والانقسام والخوف: عرب وإسرائيليون، فلسطينيون وإسرائيليون، مسلمون ويهود، وكأن العلاقة بينهم لا يمكن أن توجد إلا داخل معادلة العداء.

ثم وصلت ورأيت شيئًا آخر أيضًا.

رأيت عربًا وإسرائيليين يعيشون جنبًا إلى جنب في تفاصيل الحياة اليومية.

رأيت أشخاصًا يعملون ويتسوقون ويبيعون ويشترون ويقودون سيارات الأجرة ويديرون المطاعم والأعمال ويتعاملون مع بعضهم بعضًا بعيدًا عن الشعارات الكبرى.

ورأيت يهودًا ومسيحيين ومسلمين يتشاركون الشوارع والمدن نفسها، بينما يحتفظ كل منهم بدينه وهويته وصلاته.

وهنا يجب أن أكون دقيقة.

ما رأيته لا ينفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولا يمحو الاحتلال أو الحرب أو الظلم أو الخوف أو الفقد أو الدماء أو التجارب المختلفة التي يعيشها الفلسطينيون والإسرائيليون.

ورحلة إنسان واحد، مهما كانت عميقة، لا تستطيع أن تكون مقياسًا لتجربة ملايين البشر.

لكنها تستطيع أن تكون شهادة على ما رآه صاحبها.

وشهادتي هي أنني رأيت حقيقة أخرى لا تحصل دائمًا على المساحة نفسها أمام الكاميرات:

رأيت إمكانية التعايش.

فالصراع موجود.

لكن الحياة موجودة أيضًا.

والانقسام موجود.

لكن اللقاء الإنساني موجود أيضًا.

والخوف موجود.

لكن هناك كذلك أشخاصًا يستيقظون كل صباح ويختارون أن يعملوا ويتعاملوا ويتحدثوا ويعيشوا بجوار أشخاص يختلفون عنهم.

وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا.

إنه دليل على أن الكراهية ليست قدرًا بيولوجيًا أو دينيًا محتومًا.

لماذا نحمل الحرب معنا إلى لندن وواشنطن؟

هذا ما جعلني أفكر في مجتمعاتنا خارج المنطقة.

أحيانًا نجد مسلمًا ويهوديًا في لندن أو نيويورك أو واشنطن لم يلتقِ أحدهما بالآخر من قبل، ومع ذلك يبدأ كل منهما في النظر إلى الآخر من خلال حرب تقع على بعد آلاف الأميال.

تتوتر المجتمعات.

تنتهي صداقات.

ويصبح الاسم أو الدين أو الجنسية اختصارًا سياسيًا لإنسان كامل.

وهنا أطرح السؤال الذي عُدت به من رحلتي:

إذا كان بعض الذين يعيشون على الأرض نفسها قادرين على مشاركة شارع أو سوق أو مكان عمل أو مائدة، فلماذا نتعلم نحن، من على بُعد آلاف الأميال، أن نحمل الكراهية إلى شوارعنا؟

لا أدعو إلى تجاهل السياسة.

ولا إلى الصمت أمام الظلم.

ولا إلى مساواة التجارب المختلفة أو محو التاريخ.

بل أدعو إلى شيء أكثر صعوبة ونضجًا:

أن نناقش السياسة من دون أن ننزع الإنسانية عن البشر.

يمكنني أن أدافع عن العدالة من دون أن أكره اليهودي.

ويمكن لليهودي أن يشعر بالخوف أو الألم من دون أن يحول كل مسلم أو عربي إلى عدو.

فالاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تصريح أخلاقي بالكراهية الجماعية.

ثلاثة أصدقاء.. وثلاث ديانات

ولعل أجمل مفارقات الرحلة أنني لم أحتج إلى مؤتمر للحوار بين الأديان لكي أرى هذه الفكرة أمامي.

كنت أنا المسلمة، ومعي صديقتي شارلوت المسيحية، وصديقنا ميتشل اليهودي.

لم نخطط لهذا الرمز.

حدث ببساطة.

مسلمة ومسيحية ويهودي سافروا معًا إلى الأرض المقدسة.

صلينا بطرق مختلفة.

واحترم كل منا صلاة الآخر.

مشينا معًا.

أكلنا معًا.

ضحكنا معًا.

واحتفلنا بعيد ميلاد ميتشل في القدس، تحت سماء أغسطس وفي توقيت زخات شهب البرشاويات.

لم يحتج ميتشل إلى أن يصبح مسلمًا حتى يكون صديقي.

ولم تحتج شارلوت إلى التخلي عن مسيحيتها.

ولم أحتج أنا إلى التنازل عن إسلامي.

لم نحتج إلى دين واحد لكي نجلس إلى مائدة واحدة.

وهذه، بالنسبة لي، ليست عبارة شاعرية.

إنها جوهر فكرة التعايش.

لا أريد عالمًا بدين واحد

السلام الحقيقي لا يطلب من البشر أن يذوبوا في بعضهم.

ولا أريد سلامًا يقوم على إلغاء الهوية.

احتفظ بتوراتك.

واحتفظ بإنجيلك.

واحتفظ بقرآنك.

صلِّ في الكنيس أو الكنيسة أو المسجد.

احتفظ بلغتك وذاكرتك وتاريخك.

لكن امنح جارك الحق نفسه.

فالاختلاف ليس نقيض السلام؛ الكراهية هي نقيض السلام.

ولعل إحدى أخطر الأفكار التي يجب أن نواجهها هي الاعتقاد بأن التعايش يعني أن يتنازل أحدنا للآخر عن هويته.

لا.

التعايش يعني أن أستطيع أن أقول: أنا مختلف عنك، وربما أختلف معك بشدة، لكن حياتك وكرامتك وحقك في الوجود ليست موضوعًا للتفاوض.

دعوت للفلسطيني والإسرائيلي

عندما وقفت أمام الحائط الغربي، بدأت بدعاء شخصي.

دعوت لابني.

لصحته ومستقبله وتعليمه وحمايته، وأن يحقق ما يستطيع تحقيقه بكرامة ورحمة وعلم.

لكن الدعاء اتسع.

دعوت للفلسطينيين والإسرائيليين.

لليهود والمسيحيين والمسلمين.

لكل أم تخشى أن يعود ابنها إليها جثمانًا.

ولكل طفل لا يفهم لماذا قرر الكبار أن يولد داخل حرب.

ثم وقفت في المسجد الأقصى.

وهناك عاد الدعاء نفسه بصورة أخرى.

دعوت لأطفال فلسطين.

ولأطفال إسرائيل.

ولأطفال العالم.

لأنني، كأم، لا أستطيع أخلاقيًا أن أطلب من الله الأمان لابني ثم أعتبر خوف طفل امرأة أخرى أمرًا يمكنني تجاهله.

إذا أردت لابني أن يزدهر في سلام، فعليّ أن أتمنى عالمًا يستطيع فيه ابن كل أم أن يزدهر أيضًا.

🌧️ خرجت من الأقصى… فنزل المطر

ثم جاءت واحدة من أكثر لحظات الرحلة تأثيرًا في نفسي.

بعد الصلاة في المسجد الأقصى خرجت إلى الخارج.

وفجأة، في قلب أغسطس، بدأت السماء تمطر.

وقفت تحت المطر وتركته يسقط على وجهي وجسدي.

في تلك اللحظة لم أكن أعرف شيئًا عن الأرقام أو سجلات الطقس.

علمت لاحقًا أن المنطقة شهدت عاصفة صيفية نادرة، وأن تقارير الأرصاد تحدثت عن أرقام استثنائية لأمطار أغسطس، بينها تسجيل 11 ملم خلال ساعة واحدة في معاليه أدوميم القريبة. كما ارتبط الحديث عن نحو 170 عامًا بندرة مستويات الهطول الصيفي المسجلة في شهري يوليو وأغسطس.

ولهذا فإن الدقة مهمة: لا أقول إن المطر لم يسقط على القدس منذ 170 عامًا. أقول إنني وجدت نفسي، بعد خروجي من الأقصى، وسط حدث مطري صيفي نادر واستثنائي.

لكن الأرصاد الجوية تستطيع أن تشرح لي كيف سقط المطر.

ولا تستطيع أن تحدد لي ماذا مثّل ذلك المطر في قلبي.

بالنسبة لي، كانت اللحظة أكبر من نشرة جوية.

كنت قد صليت وحملت إلى الله دعائي لابني، ولأطفال فلسطين وإسرائيل، وللعدل والرحمة والسلام.

ثم خرجت ووقفت تحت المطر.

وشعرت بشيء واحد:

الرحمة.

الماء في الوجدان الإسلامي مرتبط بالحياة والطهارة والبركة، والقرآن يقول:

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾.

وأنا لا أزعم أن السماء أمطرت من أجلي.

ولا أقدم إحساسي الشخصي باعتباره دليلًا علميًا أو معجزة أطالب الآخرين بالإيمان بها.

لكن الإنسان لا يعيش بالحقائق المادية وحدها؛ هناك لحظات تحمل له معنى شخصيًا لا يستطيع جدول الأرصاد أن يقيسه.

وأنا، تحت ذلك المطر، شعرت وكأن ثقلًا طويلًا يُغسل عن قلبي.

شعرت أن الرسالة التي أحتاج إليها في تلك اللحظة بسيطة:

لا تفقدي الأمل.

بعد العسر قد يأتي اليسر.

وبعد الجفاف قد يأتي الماء.

وبعد سنوات من الألم يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد.

ثم خطرت لي صورة لم تفارقني:

المطر لم يسأل قبل أن يسقط:

من المسلم؟

ومن اليهودي؟

ومن المسيحي؟

المطر نزل على الجميع.

وربما كانت تلك بالنسبة لي أجمل استعارة للرحمة والسلام.

فالسماء لا تقسم قطرات الماء بحسب الدين أو الجنسية.

ورحمة الله أوسع من الحدود التي يرسمها البشر.

وقفت أدعو:

اللهم كما أنزلت الماء على هذه الأرض، أنزل عليها السلام.

وكما تحيي بالماء الأرض بعد جفافها، أحيِ الرحمة في القلوب بعد كل هذه الكراهية.

واغسل عن هذه الأرض دموع أمهاتها وآلام أطفالها، واجعل بعد عسرها يسرًا، وبعد خوفها أمانًا، وبعد حربها سلامًا.

دخلت الأقصى أحمل الدعاء، وخرجت منه فوجدت المطر.

ولست بحاجة إلى أن أسمي ذلك معجزة حتى أؤمن بأنه كان من أجمل لحظات حياتي الروحية.

بالنسبة لي كان علامة أمل.

الدين: جدار أم جسر؟

خرجت من القدس وأنا أكثر اقتناعًا بأن الدين حين يقرب الإنسان من الله يجب أن يجعله أكثر رحمة بالإنسان، لا أكثر استعدادًا لكراهيته.

لسنا مطالبين بأن نتفق على التاريخ كله.

ولا على السياسة كلها.

ولا حتى على تفسير كل حجر في القدس.

لكن هناك حقائق إنسانية ينبغي أن تسبق خلافاتنا:

دم الطفل لا يحمل ديانة.

دموع الأم لا تسأل إن كانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة.

والخوف لا يطلب جواز سفر الإنسان قبل أن يدخل قلبه.

لذلك أرفض أن يتحول الإيمان إلى أداة لتجريد الآخر من إنسانيته.

وأرفض أيضًا الفكرة الساذجة بأن السلام يعني تجاهل الظلم.

فالسلام بلا عدالة هش، والعدالة بلا إنسانية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى انتقام.

ما نحتاج إليه هو شجاعة أخلاقية تسمح لنا بالمطالبة بالعدل من دون أن نفقد الرحمة.

رسالتي من القدس

ذهبت إلى الأرض المقدسة أبحث عن السلام.

والمفارقة أنني اكتشفت أن السلام لم يكن غائبًا تمامًا كما قد توحي لنا صور الصراع.

رأيته في السوق.

وفي المطعم.

وفي الصداقة.

وفي إنسان يساعد إنسانًا.

وفي ثلاثة أصدقاء من ثلاث ديانات يجلسون حول مائدة واحدة دون أن يخسر أي منهم هويته.

ورأيته، بطريقتي الخاصة، في المطر الذي نزل على الجميع.

نعم، الصراع حقيقي.

والظلم حقيقي.

والضحايا حقيقيون.

لكن التعايش حقيقي أيضًا.

ولهذا، من قلب القدس، أوجه دعوتي:

كفى تحويل الدين إلى جدار.

فلنجعله جسرًا.

كفى تعليم أطفالنا مَن يجب أن يكرهوا.

فلنعلمهم كيف يختلفون، وكيف يدافعون عن حقوقهم، وكيف يطلبون العدالة، من دون أن يفقدوا إنسانيتهم.

وكفى أن ننتظر السلام من السياسيين وحدهم.

فالسلام يبدأ أيضًا في البيت.

وفي المدرسة.

وفي المسجد.

وفي الكنيسة.

وفي الكنيس.

وفي الكلمة التي نختارها عندما نتحدث عن إنسان يختلف عنا.

لقد وقفت أمام الصخرة.

وصليت في الأقصى.

ووقفت أمام الحائط الغربي.

وسرت في طريق آلام المسيح.

وسافرت بصحبة مسيحية ويهودي وأنا مسلمة.

ثم وقفت تحت مطر القدس.

وعدت بقناعة واحدة:

لا نحتاج إلى دين واحد لكي نصبح إنسانية واحدة.

إله واحد.

ثلاث ديانات إبراهيمية.

روايات متعددة.

تاريخ طويل ومؤلم.

ومستقبل لم يُكتب بعد.

فلنكتب نحن الصفحة القادمة بصورة مختلفة.

الحياة بدل الموت.

المحبة بدل الكراهية.

التفاهم بدل الخوف.

العدل بدل الظلم.

المصالحة بدل الانتقام.

التعايش بدل العداء.

والسلام بدل الحرب.

لأن القدس لا تحتاج إلى مزيد من الناس الذين يتقاتلون باسم من يملك حجارتها.

القدس تحتاج إلى من يتذكر أن الإنسان الذي يمشي فوق تلك الحجارة مقدس أيضًا.

بقلم: الدوقة نيفين الجمل

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى