مشاهير

د. ابتسام مدني تفتح ملف العلاقات الأسرية: متى يكون التنازل حبًا ومتى يتحول إلى استنزاف؟

د. ابتسام مدني تفتح ملف العلاقات الأسرية: متى يكون التنازل حبًا ومتى يتحول إلى استنزاف؟

في العلاقات الأسرية، قد يبدو التنازل أحيانًا صورة من صور الحب والاحتواء، وقد يتحول في أحيان أخرى إلى عبء نفسي صامت يدفع الإنسان إلى فقدان احتياجاته وحدوده تدريجيًا.

ومن هنا تطرح د. ابتسام مدني، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري، تساؤلًا مهمًا: متى يكون التنازل اختيارًا نابعًا من الحب، ومتى يصبح استنزافًا نفسيًا يهدد العلاقة وصاحبها؟

وتوضح د. ابتسام مدني أن المشكلة ليست في التنازل نفسه، فالحياة الأسرية بطبيعتها تحتاج إلى قدر من المرونة والتفاهم وتقديم التنازلات المتبادلة، وإنما تكمن المشكلة عندما يصبح التنازل اتجاهًا دائمًا يسير في اتجاه واحد، بينما تختفي احتياجات أحد الطرفين من المشهد.

وتقول: «هناك فرق كبير بين أن أتنازل لأنني أختار ذلك، وبين أن أتنازل لأنني أخاف من الرفض أو الخلاف أو خسارة العلاقة».

وترى أن الإنسان قد يبدأ بالتنازل عن أشياء بسيطة رغبةً في الحفاظ على الهدوء، ثم يجد نفسه مع الوقت يتنازل عن مشاعره واحتياجاته ووقته وحقه في التعبير، حتى يصبح السؤال: ماذا يريد الآخر؟ أهم دائمًا من السؤال: ماذا أريد أنا؟

متى يكون التنازل حبًا؟

بحسب رؤية د. ابتسام مدني، يكون التنازل صحيًا عندما يكون متبادلًا، اختياريًا، ومؤقتًا بحسب الموقف، ولا يجعل الإنسان يشعر بأنه يخسر نفسه حتى يحافظ على العلاقة.

ففي العلاقات الناضجة، قد يتنازل أحد الطرفين اليوم، ويقدم الآخر تنازلًا في موقف مختلف غدًا. ليست المسألة حسابًا دقيقًا للمواقف، وإنما وجود إحساس عام بأن الطرفين يريان بعضهما ويقدّران احتياجات بعضهما.

أما عندما يصبح طرف واحد دائمًا هو الذي يفهم، ويتحمل، ويصمت، ويبرر، ويعتذر، ويتنازل، فهنا يستحق الأمر التوقف وإعادة النظر.

ومتى يتحول التنازل إلى استنزاف؟

تبدأ المشكلة عندما لا يعود التنازل قرارًا، بل يصبح أسلوب حياة.

أن تقول «لا بأس» بينما هناك الكثير من الألم.

أن تصمت حتى لا تحدث مشكلة.

أن تخفي احتياجاتك حتى لا تُتهم بالأنانية.

أن تتجنب التعبير عن غضبك أو حزنك خوفًا من رد فعل الطرف الآخر.

أن تعتاد أن تكون أنت الطرف الذي يتحمل دائمًا، ثم تشعر في داخلك بأن أحدًا لا يراك.

وتشير د. ابتسام مدني إلى أن الاستنزاف النفسي لا يحدث عادةً في لحظة واحدة، وإنما قد يتراكم تدريجيًا، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها بالإنهاك أو اللامبالاة أو الغضب المتراكم، دون أن يفهم متى بدأ كل ذلك.

الحب لا يعني أن تختفي

وتؤكد د. ابتسام مدني أن من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة النظر أن الحب يعني التضحية المستمرة.

فالحب الصحي لا يطلب من الإنسان أن يلغي نفسه حتى تستمر العلاقة، كما أن وضع الحدود لا يعني القسوة أو الأنانية.

وتقول: «أن أراعيك لا يعني أن ألغي نفسي، وأن أضع حدودًا لا يعني أنني لا أحبك».

فالأسرة التي تتمتع بعلاقة صحية هي التي يستطيع أفرادها التعبير عن احتياجاتهم ومشاعرهم دون خوف، والاختلاف دون تهديد، والاعتذار دون إذلال، والتنازل دون أن يتحول إلى قاعدة ثابتة لطرف واحد.

السؤال الأهم: هل أنا أتنازل أم أخاف؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي يحتاج كل شخص إلى طرحه على نفسه.

هل أتنازل لأنني أريد الحفاظ على العلاقة، أم لأنني أخشى أن أكون مرفوضًا إذا قلت «لا»؟

الفرق بين الإجابتين قد يكون كبيرًا.

فالتنازل الذي يأتي من مساحة من الأمان والاختيار يمكن أن يكون تعبيرًا جميلًا عن الحب، بينما التنازل الذي يأتي من الخوف المستمر قد يكون علامة على أن العلاقة تحتاج إلى مراجعة.

وفي النهاية، تؤكد د. ابتسام مدني أن العلاقات الأسرية الناجحة لا تقوم على طرف يعطي وطرف يأخذ، ولا على شخص دائمًا يتنازل وآخر دائمًا يحصل على ما يريد، وإنما تقوم على التفاهم، والاحترام، والمرونة، والقدرة على رؤية احتياجات الطرف الآخر دون إلغاء الذات.

فليس المطلوب أن نختار بين الحب وراحتنا النفسية، بل أن نتعلم كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى