السادات .. حين أنصفه المستقبل
السادات .. حين أنصفه المستقبل

لم يكن أنور السادات رئيسًا عاديًا في تاريخ مصر ، وربما كانت مشكلته الكبرى أن بعض قراراته احتاجت إلى سنوات طويلة حتى تظهر نتائجها كاملة أمام الرأي العام .
عندما تولى السادات مسؤولية مصر بعد نكسة ١٩٦٧ ، كانت البلاد أمام واقع بالغ الصعوبة . سيناء تحت الاحتلال ، والجيش يعيد بناء قدراته ، والاقتصاد يتحمل أعباء مرحلة قاسية ، وإسرائيل تحظى بدعم سياسي وعسكري أمريكي واسع .
في ذلك الظرف كان من السهل أن تظل مصر أسيرة الشعارات ، وأن تتحول الحرب إلى حالة دائمة بلا أفق واضح . لكن السادات اختار طريقًا مختلفًا ، فبدأ بإعادة بناء القدرة العسكرية ، ثم اتخذ قرار حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ ، ليعيد لمصر زمام المبادرة ويكسر الصورة التي فرضتها نكسة يونيو .
غير أن القرار العسكري لم يكن وحده ما ميّز السادات .
الأهم أنه أدرك أن الانتصار العسكري يجب أن يتحول إلى مكسب سياسي ، وأن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية لن يعيد الأرض المصرية وحده . ولذلك انتقل من ميدان القتال إلى ميدان التفاوض ، وهو انتقال احتاج إلى شجاعة سياسية لا تقل عن شجاعة اتخاذ قرار الحرب .
ثم جاءت زيارته إلى القدس ، وهي الخطوة التي أحدثت صدمة سياسية هائلة في العالم العربي آنذاك . اختلف الناس حولها ، وهاجمه خصومه بشدة ، واعتبرها البعض تنازلًا لا يمكن قبوله .
لكن قراءة القرار بعد مرور عقود تفرض سؤالًا أكثر هدوءًا : ماذا كانت النتيجة بالنسبة لمصر ؟
عادت سيناء إلى السيادة المصرية ، وانتهت حالة الحرب المفتوحة بين مصر وإسرائيل ، وتحول الصراع تدريجيًا من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض ، ثم أصبحت التسويات السياسية لاحقًا جزءًا من تعامل دول عربية أخرى مع إسرائيل .
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في تجربة السادات .
فالرجل الذي اتُّهم في زمانه بأنه اختار طريقًا غير مقبول ، أصبح الطريق السياسي الذي اختاره جزءًا من واقع إقليمي تعامل معه آخرون بعد ذلك بسنوات .
وهذا لا يعني أن السادات كان بلا أخطاء ، ولا أن جميع قراراته كانت صائبة . فقد تركت سياساته الاقتصادية والاجتماعية ، وكذلك تعامله مع المعارضة في السنوات الأخيرة من حكمه ، صفحات شديدة الجدل في التاريخ المصري .
لكن تقييم رجل الدولة لا يمكن أن يقوم على ملف واحد أو قرار واحد .
السادات امتلك قدرة نادرة على تغيير أدواته وفقًا لمصلحة الدولة . حارب عندما رأى أن الحرب أصبحت ضرورة ، ثم تفاوض عندما وجد أن السياسة تستطيع تحقيق ما لا تستطيع الحرب وحدها تحقيقه .
كما أدرك أن التحالفات الدولية ليست عقيدة ثابتة ، وأن الدولة مطالبة بإعادة تقييم علاقاتها الخارجية وفقًا لمصالحها وقدرتها على الحركة .
ومن أكثر الملفات التي تعرض فيها السادات للنقد القضية الفلسطينية . وهنا يجب أن يكون الحكم تاريخيًا دقيقًا ، فالمفاوضات التي قادت إلى اتفاقات كامب ديفيد لم تكن منفصلة تمامًا عن الحديث عن مستقبل الفلسطينيين ، وإن كان هذا المسار لم يصل إلى النتيجة التي كان يمكن أن تغير مسار القضية الفلسطينية .
وبعد أكثر من نصف قرن ، أصبح لدينا عامل لم يكن متاحًا لمن عاصروا تلك القرارات : الزمن والنتائج .
والنتائج تقول إن الأرض المصرية عادت إلى مصر ، وأن مصر خرجت من دائرة الحروب الكبرى المتكررة مع إسرائيل ، وأن المنطقة نفسها اتجهت تدريجيًا إلى استخدام أدوات التفاوض والاتفاقات إلى جانب أدوات القوة .
لذلك فإن إعادة قراءة تجربة السادات لا ينبغي أن تكون محاولة لصناعة صورة مثالية له ، كما لا ينبغي أن تكون استمرارًا للصورة التي صنعها خصومه .
الرجل كان لديه أخطاء حقيقية ، لكنه امتلك أيضًا رؤية سياسية سبقت كثيرًا من الحسابات السائدة في عصره .
كان يعرف أن شعبية القرار في لحظته ليست هي المعيار الوحيد للحكم عليه ، وأن بعض القرارات الكبرى لا تظهر قيمتها إلا بعد أن تمر السنوات .
ولهذا فإن أعظم ما تركه السادات ليس مجرد اتفاق أو معاهدة ، وإنما درس في إدارة الدولة : أن رجل الدولة لا يقيس نجاحه بحجم التصفيق الذي يحصل عليه لحظة اتخاذ القرار ، وإنما بما يتركه القرار من مكاسب لبلاده عبر الزمن .
رحل أنور السادات عام 1981 ، لكن الجدل حوله لم يرحل معه .
وبعد مرور أكثر من خمسين عامًا على حرب أكتوبر وما تلاها من تحولات ، أصبح من الصعب قراءة تجربته بعين الشعارات وحدها .
قد نختلف مع بعض خياراته ، وقد نحاسبه على أخطائه ، لكن من الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن الرجل امتلك شجاعة اتخاذ قرارات لم تكن شعبيتها مضمونة ، ثم ترك للتاريخ مهمة الحكم على نتائجها .
وربما هنا تكمن المفارقة الأهم في تجربة السادات : بعض القادة يحكم عليهم الناس في لحظة القرار ، بينما يحكم عليهم التاريخ بعد أن تظهر نتائج القرار .
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش


