اخبار اليوم

إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين

بقلم الشيخ خالد حسن

أحد علماء الأزهر

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد..

لقد حث إسلامنا الحنيف على الرفق واللين والرحمة والتيسير في التعامل والأمور كلها ، بل جعل الرفق والرحمة من أهم الأمور التي يجب أن نضعهما نصب أعيننا وخاصة لما نراه من عنف وقسوة وغلظة في مجتمعنا وخاصة في الآونة الأخيرة، ومن المعلوم أن الرفق واللين والرحمة بالضعفاء من أهم أسباب النصر والرزق الكثير قالَ النبيُّ ﷺ: “هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!” ، بلْ إنَّ وجودَ الضعفاءِ في المجتمعِ سببٌ لرفعِ الضرِّ والعذابِ عنا، فعنْ أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ، قالَ: “لَوْلا شُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَشَبَابٌ خُشَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا” إنَّ استعمالَ الرفقِ في الأمورِ يؤدي إلى أحسنِ النتائجِ وأطيبِ العواقبِ، ويباركُ اللهُ في هذا السلوكِ وينفعُ بهِ. أما استعمالُ العنفِ والشدةِ والغلظةِ فتفسدُ الأمورَ وتصعبُها على أصحابِها وتجعلُ النتائجَ عكسيةً، ويحرمُ الخيرَ منْ تركَ الرفقَ؛ وترفعُ البركةُ في عملِهِ؛ ويصعبُ عليهِ الأمرُ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ” ، وقالَ ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ” ، كما أنَّ الرفقَ لهُ أثرٌ حسنٌ في التأليفِ بينَ القلوبِ والإصلاحِ بينَ المتخاصمينَ وهدايةِ الكفارِ واستياقِهمْ إلى حظيرةِ الإسلامِ والبركةِ في الرزقِ والأجلِ. فعنْ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لها: “إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ” . وقالَ ﷺ في أهلِ الجنةِ: “أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ” ، بلْ يتجاوزُ رفقُ النبيِّ ﷺ بأمتِهِ الزمانَ والمكانَ والعصرَ، فيتركُ لنا هذا الدعاءَ الخالدَ والوصيةَ العظيمةَ لمنْ بعدَهُ لكلِّ منْ تولى شيئًا منْ هذهِ الأمةِ إلى أنْ تقومَ الساعةُ فيدعو ربَّهُ تباركَ وتعالى: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ”.

ولنا القدوة الحسنة في سيدنا رسول الله – ﷺ – في الرفق والرحمة فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ”، وعَنْ عَائِشَةَ قالتْ: “مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ“ وهذهِ هي وصيةُ الرسولِ ﷺ لأمتِهِ. فكانَ ﷺ دائمًا يقولُ لأصحابِهِ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا” ، ولنا أيضًا القدوةُ في حبيبِنا ﷺ، فقد كانَ ﷺ رفيقًا رحيمًا بالأطفالِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي إِحْدَى صَلاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَةً فَأَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلامُ رَاكِبٌ ظَهْرَهُ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ ناسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَجَدْتَ فِي صَلاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً مَا كُنْتَ تَسْجُدُهَا، أَشَيْئًا أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قالَ: “كُلٌّ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ”. فالرسولُ بعثَ رحمةً بأمتِهِ ﷺ، ولا ريبَ في ذلكَ لأنَّها الهدفُ الذي أُرسلَ بهِ ولهُ، قالَ تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128). ومنْ مظاهرِ رحمتِهِ بأمتِهِ ما رويَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ: ”أنَّ النبيَّ ﷺ تلا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي” (إبراهيم: 36)، وقالَ عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (المائدة: 118)؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي” وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ عليهِ السلامُ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ”. فالرفقُ في الإسلامِ لمْ يقتصرْ على المسلمينَ فحسبُ، فعندما قيلَ لهُ ﷺ ادعُ على المشركينَ قالَ: “إنِّي لمْ أبعثْ لعانًا، وإنّما بعثتُ رحمةً”. والرفق أيضا قد شمل المخطيء وهذا ما نراه في موقف النبي – ﷺ – في عدم تعنيف الرجل الأعرابي الذي قام وبال في المسجد ، فعَنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قامَ أعرابيٌّ فبالَ في المسجدِ، فتناولَهُ الناسُ فقالَ لهمُ النبيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ“.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى