الدكتورة نورهان ابو الدهب

الحوكمة الرياضية… الطريق إلى استعادة ثقة الجماهير
بقلم: د. نورهان أبو الدهب
مستشار ومحاضر دولي في الحوكمة وتطوير الكوادر القيادية
لم تعد الرياضة في العصر الحديث مجرد منافسة بين فريقين، بل أصبحت صناعة عالمية ترتبط بالاقتصاد والإعلام والاستثمار والدبلوماسية الرياضية، وهو ما يجعل الحوكمة الرشيدة عنصرًا أساسيًا لضمان نزاهة هذه الصناعة والحفاظ على ثقة الجماهير.
وقد كشفت العديد من المباريات المثيرة للجدل في البطولات الدولية عن حقيقة مهمة، وهي أن الأزمة لا تكمن دائمًا في القرار التحكيمي ذاته، وإنما في غياب الشفافية الكافية التي تشرح للرأي العام أسباب تلك القرارات، مما يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات، ويؤثر في صورة المؤسسات الرياضية.
ومن منظور الحوكمة، فإن العدالة الرياضية لا تتحقق فقط بتطبيق القانون، وإنما أيضًا بوجود منظومة واضحة تقوم على الشفافية، والإفصاح، والاستقلالية، والمساءلة، والمراجعة المستقلة عند الحاجة. فهذه المبادئ هي التي تمنح المؤسسات الرياضية مصداقيتها، وتحافظ على مكانتها أمام الجماهير والرعاة والمجتمع الدولي.

إن المؤسسات الرياضية الكبرى مطالبة اليوم بتعزيز منظومات الحوكمة وفق أفضل الممارسات العالمية، من خلال تطوير آليات تقييم الأداء التحكيمي، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وتطبيق سياسات الامتثال، وضمان استقلالية لجان المراجعة واتخاذ القرار، بما يعزز الثقة في نتائج المنافسات.
كما أن التطور التكنولوجي، بما في ذلك تقنيات التحكيم الحديثة، لا يحقق أهدافه إلا إذا ارتبط بسياسات واضحة، ومعايير موحدة، وتواصل مؤسسي فعال يوضح للرأي العام أسباب القرارات المؤثرة، فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا غابت الحوكمة.
وتشير المعايير الدولية الحديثة، مثل مبادئ ISO 37000 الخاصة بحوكمة المؤسسات، إلى أن نجاح أي مؤسسة يعتمد على النزاهة، والشفافية، وتحقيق القيمة، والمساءلة، وهي مبادئ لا تقتصر على الشركات، بل تمتد أيضًا إلى الاتحادات والهيئات الرياضية. كما يؤكد معيار ISO 37301 أهمية وجود منظومات امتثال فعالة تضمن عدالة الإجراءات، والالتزام باللوائح، وتعزيز الثقة المؤسسية.
وفي هذا الإطار، فإن تعزيز الحوكمة في القطاع الرياضي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية سمعة الرياضة العالمية، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، وضمان أن تبقى المنافسة قائمة على الأداء داخل الملعب وحده.
إن الجماهير لا تطالب بالكمال، فالأخطاء البشرية ستظل جزءًا من اللعبة، لكنها تطالب بمنظومة تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والشفافية في مراجعتها، والعدالة في معالجتها. وهنا تتجلى الحوكمة باعتبارها الضامن الحقيقي لاستدامة الرياضة، وحماية مصداقية مؤسساتها، وترسيخ الثقة بين جميع أطراف المنظومة الرياضية.
إن مستقبل الرياضة لن يُقاس بعدد البطولات فقط، بل بقدرة مؤسساتها على بناء منظومة حوكمة تجعل العدالة قيمة راسخة، والشفافية ممارسة يومية، والمساءلة ثقافة مؤسسية، ليظل الفوز الحقيقي هو انتصار النزاهة قبل انتصار أي فريق.


