مشاهير

الحب آخر عربه فى قطار الزواج : حين تكتشف أن القلوب وحدها لا تصنع عُشًّا !!

بقلم الكاتب الصحفى : أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب ✍🏻

عندما تُزهر السنين في داخلك تلك الزهرة الغريبة التي نسمّيها ” النضج ” ، تبدأ في رؤية العالم بعينين لم تعرفا الرومانسية الساذجة .
فلم أكن يومًا ضد الحب ، لكنني تعلمت أن أجعل خطواتي على أرض الواقع أثقل من ضربات قلبي . فالزواج ليس لحظة ذوبان في نظرة عينين ، ولا انفجارًا عاطفيًّا يمحو كل الحسابات ، بل هو عقدٌ صامتٌ بين روحين تتفقان على حمل الحياة معًا ، حتى عندما تتكسر أحلامهما على صخرة الواقع.

في بداية كل قصة حب ، نتصور أن المشاعر كفيلة ببناء جسر بين عالمينا ، لكننا ننسى أن الجسور تحتاج إلى دعامات صلبة كي تتحمل ثقل الأيام . التفاهم ليس مجرد كلمة نرددها ، بل هو فنُّ تحويل الصمت إلى حوار ، والاختلاف إلى فرصة للتكامل . كم من أزواج تحطمت علاقاتهم لأن أحدهم ظلّ يصرخ بلغة لم يفهمها الآخر ؟ الحب لا يعلّمك الكلام ، لكن الزواج يفرض عليك أن تتعلم لغة شريكك ، حتى وإن كانت لهجةً غريبةً عن قاموس قلبك.

أما الاحتواء ، فهو ذلك السرّ الذي يجعل من الزواج ملاذًا وليس سجنًا . أن تعرف أن هناك ذراعين تنتظرانك عند عودتك منهَكًا ، لا لتسألك عن فواتير البيت ، بل لتحتمي بهما من برودة العالم . الاحتواء هو أن تسمع همسة “أنا هنا” في لحظة ينهار فيها كل شيء ، فتدرك أن الخوف يذوب عندما نجد من يشاركنا ثقله.

فالإنجذاب هنا ليس مجرد شرارة عابرة ، بل هو ذاك المغناطيس الخفي الذي يربطك بالشخص حتى عندما تتبدّى عيوبه . أن تظل تشعر أنه يستحق النظر إليه ، والاستماع إليه ، والوجود بقربه ، حتى بعد أن تصبح تفاصيله مألوفةً كراحة اليد . إنه السرُّ الذي يحوّل الروتين إلى طقسٍ جميل، والقدمين المتعبتين إلى رقصةٍ هادئة على إيقاع الزمن.

الونس … تلك الكلمة التي تختصر معجزة الاستمرار . أن تكتشف أن الضحك مع شخصٍ ما أعمق ألف مرة من أن تحبه . الونس هو أن تملأ الصمت بأشياء لا تحتاج إلى كلمات : نظرة ، إشارة ، تنهيدةٌ تتحول إلى نكتةٍ خاصة . إنه القبلة التي تضعها الحياة على جبين العلاقة عندما تنجح في تحويل الملل إلى طمأنينة.

Oplus_131072

الثقة في الزواج ليست مجرد عدم الخيانة ، بل هي أن تضع رأسك على وسادة شريكك وأنت تعلم أن أحلامك لن تتحول إلى سلاحٍ ضدك .
الثقة هي أن تبوح له بأنك فشلت ، دون أن تخشى أن يستخدم فشلك كطريقٍ مختصرٍ لإهانتك .
إنها ذلك الجدار الذي يبنيه الحب الحقيقي ، لا ليمنعك من الخروج ، بل ليحميك من العواصف التي قد تأتي من الداخل قبل الخارج.

الانتماء هو الشعور الغامض بأن هذا الشخص لم يعد “اختيارًا” يمكن التراجع عنه ، بل أصبح جزءًا من تعريفك للوجود .
كأن الله كتب اسميهما على جدار القدر بلونٍ لا يُمحى ، فصارت فراقته أشبه بفقدان ذاكرةٍ تاركًا خلفه فراغًا أشبه بغرفةٍ مُزّقت منها الجدران.

والسند هو أن تتحول من “أنا” و”أنت” إلى “نحن” حتى في أحلام اليقظة . أن ترى نجاح شريكك ليس كمنافسٍ لك ، بل كتاجٍر يضع ذهبَه في خزينتك المشتركة ، فالسند هو أن تمسك بيده لا لتمنعه من السقوط ، بل لتحميه من أن يخجل من السقوط.

أما الطمأنينة ، فهي الترياق السري لكل سموم الحياة. أن تعرف أن هناك قلبًا لا يُصدّق إشاعات الآخرين عنك ، وعقلًا لا يسرق أمانك ليبيعه في سوق الشكوك.
فالطمأنينة هي أن تنام ليلًا وأنت تعلم أن شريكك لن يستخدم أسلحة الحرب الباردة : الصمت القاتل ، أو التهديد بالرحيل ، أو استغلال أخطاء الماضي.

العيوب ؟
أجل ، كلنا نحملها كحقائبَ خفية. لكن الزواج الناضج لا يخبئها تحت السجادة ، بل يفتحها بوعيٍ كي يعيد ترتيبها معًا .
فالعيب ليس عدوًّا إذا واجهته بشمعة النقاش بدلًا من إطفاء الأنوار هربًا من رؤيته.

الحب العاطفي أشبه بقطارٍ سريع يمرّ بمحطة الزواج ، يخطف الأنفاس بلونه اللامع وصوته المدوي. لكن من يبنون منازلهم بجوار القطارات يدركون أن الرحلة الحقيقية تبدأ عندما يختفي القطار ، ويبقى الصوت الهادئ للعشّ الذي يُبنى بلا عجلة. الحب وحده لا يصلح أن يكون أساسًا ، لأنه كالماء الساخن الذي ينضب بسرعة ، أما التفاهم والاحتواء والثقة فهي الأوكسجين الخفي الذي يبقيك حيًا حتى في أصعب الليالي.

وفي النهاية ، الزواج الناجح ليس معجزةً تحدث بالصدفة ، بل هندسةٌ دقيقةٌ لروحين تعلمتا أن تزرعا جذورًا تحت الأرض قبل أن تتطلعا إلى قطف الثمار .
– ربما لهذا يصبح الحب الحقيقي ، ذلك الذي يستحق الاسم أشبه بضوء الفجر :
لا تراه إلا بعد أن تنجو معًا من ظلام الليل الطويل.

سنلتقى إن كان فى العمر بقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى