حين تتحول قيم النبوة إلى مشروع دولة

حين تتحول قيم النبوة إلى مشروع دولة
كتب/مؤمن الهواري
في المناسبات الكبرى، لا تقاس الكلمات بما تحمله من عبارات التهنئة وحدها، وإنما بما تفتحه من معان تتصل بحياة الناس ومستقبل الوطن. ومن هذه الزاوية، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات المولد النبوي الشريف حاملة رسالة واضحة ومهمة: مصر دولة تعرف قيمة دينها، وتدرك في الوقت نفسه أن القيم الدينية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى عمل وسلوك ومسؤولية.
بدأ الرئيس كلمته بتهنئة الشعب المصري والأمتين العربية والإسلامية بهذه المناسبة العطرة، داعيا الله أن يعيدها على الجميع بالخير والسلام. وهي تهنئة تحمل، إلى جانب بعدها الديني والإنساني، معنى التمسك بالأمل في وقت تزداد فيه التحديات، وتحتاج فيه المجتمعات إلى خطاب يطمئن الناس، ويمنحهم القدرة على النظر إلى المستقبل بثبات وثقة.
لقد كان مهما أن يستدعي الرئيس في هذه المناسبة قيم الرحمة والصدق وإكرام الإنسان وجبر الخواطر والعمل الجاد. فهذه القيم ليست شعارات تصلح للمناسبات ثم تنتهي بانتهائها، بل هي أساس لأي مشروع وطني يريد أن يبني دولة قوية ومجتمعا متماسكا. الرحمة تعني أن يشعر المواطن بأن الدولة تقف إلى جواره، والصدق يعني أن تعرض الحقائق كما هي، وإتقان العمل يعني أن تتحول الخطط إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
ومن حق الرئيس أن يضع هذه المعاني في قلب حديثه؛ لأن بناء الدولة لا يعتمد على المشروعات والقرارات فقط، وإنما يحتاج كذلك إلى منظومة أخلاقية تحمي المجتمع من الأنانية والفساد والاستهانة بحقوق الآخرين. فلا يمكن أن تقوم الجمهورية الجديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن أن تنجح مسيرة الإصلاح إذا ظل البعض يتعامل مع المال العام أو الوظيفة العامة أو المسؤولية الوطنية باعتبارها مجالا للمصلحة الشخصية.
وفي الجزء المتعلق بالأمن القومي، جاءت رسالة الرئيس حاسمة ومطمئنة في آن واحد. فمصر، التي تعيش في إقليم شديد الاضطراب، لا تملك رفاهية الغفلة أو التردد. والتأكيد على جاهزية القوات المسلحة ويقظة أجهزة الدولة ليس استعراضا للقوة، بل تعبير عن حقيقة ضرورية: حماية الوطن مسؤولية لا تقبل التجربة، وأمن المصريين واستقرار الدولة خط أحمر لا ينبغي أن يكون محل مزايدة أو تشكيك.
إن التضامن مع الرئيس في هذه النقطة تحديدا هو تضامن مع حق مصر في حماية حدودها ومصالحها ومقدراتها. وهو أيضا تضامن مع مؤسسات الدولة الوطنية التي تتحمل أعباء ثقيلة في زمن تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحروب الإعلامية ومحاولات بث الخوف والإحباط. الدولة اليقظة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابها، والمجتمع الواعي لا يسمح بتحويل الشائعة إلى حقيقة أو الخلاف إلى فتنة.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار قبل التحقق منها، وتتداخل فيه المعلومة مع الشائعة، تصبح الفوضى الإعلامية خطرا لا يقل عن أي تهديد آخر. فالشائعة لا تستهدف خبرا بعينه، وإنما تستهدف ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم، وتدفع المجتمع إلى القلق والانقسام وسوء التقدير. ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي وجهها الرئيس بشأن مواجهة التضليل بالحقائق، لا بالانفعال، وبالشفافية، لا بالتجاهل.
لكن الإعلام المسؤول لا يعني إعلاما يردد رواية واحدة، كما أن النقد الوطني لا يمكن اعتباره فوضى أو خصومة مع الدولة. الفارق واضح بين صحافة تسأل وتتحقق وتنتقد من أجل الإصلاح، وبين منصات تتعمد اقتطاع الوقائع وتضخيم الأزمات وصناعة حالة دائمة من الإحباط. ولذلك فإن حماية الوعي العام تتطلب من الدولة سرعة الرد وتوفير المعلومات، وتتطلب من وسائل الإعلام الالتزام بالدقة، كما تتطلب من المواطن ألا يمنح ثقته لكل ما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
وليس المطلوب إسكات النقاش العام، بل تنظيمه على أساس من المسؤولية والحقائق. فالدولة التي تقدم بيانات واضحة تضيق الطريق أمام الشائعة، والمواطن الذي يمتلك وعيًا نقديا لا يصبح فريسة سهلة للتضليل. وفي هذه المعركة، تبدو الشفافية أكثر من مجرد وسيلة إعلامية؛ إنها أحد أسلحة الأمن القومي، لأنها تحافظ على تماسك المجتمع وتمنع تحويل القلق المشروع إلى فوضى مفتعلة.
ولعل من أهم ما حملته كلمة الرئيس دعوته إلى عقد مؤتمر موسع في أكتوبر لعرض الإنجازات والتحديات أمام المواطنين بالأرقام والبيانات. وهذه الدعوة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مناسبة إعلامية عابرة، بل باعتبارها خطوة سياسية مهمة في اتجاه ترسيخ الثقة بين الشعب والدولة. فالمواطن المصري لا يريد سماع قائمة طويلة من العناوين، بل يريد أن يعرف ما الذي تحقق بالفعل، وما الذي تعثر، ولماذا تعثر، وما الخطوات المقبلة، ومتى يمكن قياس نتائجها.
المكاشفة الجادة لا تعني أن تقدم الدولة صورة مثالية عن الواقع، بل أن تمتلك الشجاعة لعرض الواقع بكل ما فيه من نجاحات ونواقص. وعندما تتحدث الحكومة إلى المواطنين بلغة الأرقام والبيانات، وتشرح الأولويات والضغوط والبدائل، فإنها لا تضعف صورتها، بل تعززها. فالناس قد تختلف حول السياسات، وقد تختلف في تقييم النتائج، لكنها تقدر في النهاية من يضع الحقيقة أمامها ولا يتعامل معها باعتبارها مجرد متلق للتوجيهات.
وهنا تظهر قيمة التضامن الحقيقي مع الرئيس. فالتأييد المسؤول لا يعني التصفيق لكل شيء، ولا يعني إغلاق باب النقد، وإنما يعني الوقوف إلى جانب الدولة في معاركها الأساسية، مع المطالبة الدائمة بمزيد من الكفاءة والسرعة والوضوح. الدولة القوية لا تخشى النقد الموضوعي، بل تستفيد منه، والمواطن المخلص لا ينتقد من أجل الهدم، وإنما من أجل التصحيح وحماية ما تحقق.
أما دعوة الشعب إلى الصبر والوعي والعمل، فهي دعوة ينبغي ألا تفهم بعيدا عن طبيعة التحديات التي تواجهها مصر. الإصلاح ليس قرارا سريعا ولا طريقا بلا تكلفة، والتنمية لا تبنى في يوم أو عام، خصوصا في ظل أزمات إقليمية ودولية تضغط على الاقتصاد وتفرض على الدولة أولويات متغيرة. لكن الصبر المطلوب ليس صمتا بلا نهاية، وإنما صبر واع يرافقه شرح مستمر للقرارات، ومتابعة للنتائج، ومحاسبة على التقصير.
كما أن الإصلاح لا يمكن أن تنجزه الحكومة وحدها؛ إذ يحتاج إلى مواطن يحافظ على المال العام، وموظف يؤدي عمله بإخلاص، وإعلام يتحرى الدقة، ومجتمع مدني يشارك في الحلول، ونخبة سياسية تقدم بدائل جادة. الدولة تملك مسؤولية القيادة والتخطيط والتنفيذ، لكن المجتمع يملك مسؤولية المشاركة والرقابة والالتزام. وحين تتكامل هذه الأدوار، يصبح الإصلاح مشروعا وطنيا لا مجرد قرارات تصدر من أعلى.
لقد اختار الرئيس في مناسبة دينية أن يربط بين الرحمة والأمن، وبين الصدق والشفافية، وبين إتقان العمل ومواجهة الفساد. وهذا الربط هو جوهر الرسالة؛ لأن الدولة لا تبنى بالقوة وحدها، كما لا تحمى بالنوايا الطيبة وحدها. الدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، ومواطن واع، وإعلام مسؤول، وخطاب عام يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.
إن مصر اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الخطاب الذي يطمئن دون أن ينكر الصعوبات، ويعترف بالتحديات دون أن يزرع اليأس، ويدعو إلى الصبر دون أن يعفي المسؤول من تقديم الحساب. ومن هذا المنطلق، فإن مساندة الرئيس في رسالته ليست انحيازًا أعمى، بل انحياز لفكرة الدولة، وللاستقرار، ولحق المصريين في أن يروا وطنهم أكثر أمنًا وعدلًا وقدرة على تجاوز أزماته.
في ذكرى مولد النبي الكريم، نتذكر أن أعظم القيم لا تُقاس بكثرة الحديث عنها، بل بمدى حضورها في سلوكنا. فإذا تحولت الرحمة إلى سياسة تحمي المواطن، والصدق إلى معلومات معلنة، وإتقان العمل إلى إنجاز حقيقي، واليقظة إلى أمن مستقر، فإننا نكون قد اقتربنا من المعنى الحقيقي للاحتفال، ومن الطريق الذي تستحقه مصر: طريق دولة قوية، ومجتمع متماسك، وقيادة تتحمل المسؤولية وتمضي إلى الأمام رغم صعوبة الطريق.


