“رحلة التراب”.. الشاعر المصري جرجس فاروق بهنان يمزج الشعر بالفيزياء الفلكية في رحلة كونية عبر الزمن

في تجربة شعرية فريدة من نوعها تمزج بين رهافة الإحسـاس وصـرامة النظريات العلمية، أطلق الشاعر والمبدع جرجس فاروق بهنان أحدث روائعه الأدبية تحت عنوان “رحلة التراب” . وجاءت القصيدة لتعبر عن رؤية فلسفية عميقة تُبحر بالقارئ في رحلة زمنية وكونية تذوب فيها الفوارق بين الجسد الإنساني الفاني وعناصر الكون الشاسع.
عندما يتحدث الشعر بلغة الفيزياء الفلكية
استطاع الشاعر جرجس فاروق بهنان في هذه القصيدة أن يصنع قالباً تعبيرياً مغايراً، محولاً الأفكار التأملية إلى صور مستوحاة من علوم الفضاء وميكانيكا الكم والفيزياء الفلكية. وتبدأ الرحلة من خيال الشاعر لتتحول إلى حقيقة علمية تتناول مآل الجسد بعد الموت وكيف يتحلل ليصبح جزءاً من هذا الكون الفسيح، مسافراً عبر السنين الضوئية ليقيم في “درب التبانة” ويتغذى على “الهيدروجين والهيليوم”.
نص القصيدة الكاملة: “رحلة التراب”
أنا بأكتب من خيالي
عالمي أنا فيه
وأسافر عبر الزمن
احكيلكم خيالي إيه
الليل طويل وساكن
في ذكراتي الفكرية
والشمس نورها أتحجب
من أفكاري الضاببية
ونجوم السماء أنهارت
في قصيدتي الحالية
وكلام اشعاري أفكاري
بصور فيزياء فلكية
قلمي كتب إحساسي
تأملاتي الخيالية
الكون كبير واسع
بنظرياته العلمية
أحلامي وطموحاتي
غداً ذكرى منسية
هاموت جسدي ترابي
هايرجع إلي ماضيه
يتحلل جسدي التراب
يطير غبار أرضية
يتبخر في شعاع الضوء
يقطع السنين الضوئية
يسافر عبر آلة الطبيعة
يصل المجرات العلوية
يتكثف ترابي إلي أصلة
عند المجموعات الشمسية
يتمزج غبار جثماني
مع أجسام ذرات كونيه
يشرب ترابي الهيدروجين
ويقيم في درب التبانة
أعرفكم بجسدي أنا الماضي
تاريخ ميلادي فضاء العلوم
خرجت من مدار الزمن
المليار عام عندي بيوم
بوهج جمر نووي إشعاع
شيخوختي غاز هيليوم
أنا البلازما وانتاج الطاقة
وأنا الأجرام والسدوم
أنا نجم عالي تحت الأعالي
في مداري بعوم
عالي في فضائي الخالي
بعيد عن كل الغيوم
عمري خمسه تريليون عام
احتراقي ينتج نور
أنا نجم دائر في الدوائر
مصيري انفجار محتوم
كنت جسد الملوك والعبيد
وحالياً سحب غبار نجوم
أنا المستقبل عند المجرات
والزمن السحيق في العلوم
أنا مولودي في الأرض
وحالياً جنسيتي النجوم
أنا الجثث دخلت الأكفان
وحالياً غبار تراب قبور
أنا الحاضر في الأجساد
وحالياً الكائنات وطيور
أنا دخلت أقدم الكواكب
وخرجت بانفجار مكمون
أنا المذنب خارج المجرات
وحالياً غبار رمش الجفون
أنا المادة ضغط علي النواة
وحالياً فحم بلورات كربون
أنا المعادن حديد و ذهب
وحالياً الماس عديم اللون
أنا تصادم جسيمات الذرة
وحالياً النور في العيون
أنا كهرباء سرعة الحركة
وحالياً شحنة ساكنة الكترون
أنا بروتونات شحنة موجب
وحالياً نيترون غير مشحون
أنا شمال وجنوب للمغناطيس
وحالياً دوران عزم نيوترون
أنا الشمس لكل العصور
وحالياً قمر ظلام في الكون
أنا العدم وكنت الوجود
والشروق وكنت الغروب
أنا عطارد وكنت الزهرة
وأنا الأرض وكنت المريخ
أنا زحل وكنت أورانوس
وأنا المشترى وكنت إنسان
التراب رحلة في الأشياء
وغداً لغز في الثقوب السوداء
رؤية فلسفية تلخص الوجود
تختتم القصيدة بذكاء شديد لتعود بالإنـسان إلى أصل حقيقته؛ فهو كوكب، ونجم، ومعدن، وإلكترون، وبروتون، وفي النهاية هو “لغز في الثقوب السوداء”.
وقد حظيت القصيدة بإشادات واسعة من النقاد لجرأتها في طرح أفكار فلسفية وكونية معقدة بأسلوب مبسط وسلس، مما يضع الشاعر جرجس فاروق بهنان في مكانة متميزة كصاحب قلم يبحث عن التجديد الدائم ويرفض الأنماط التقليدية.