أخبار العالم

غزة تنزف : التاريخ لن يسألنا لماذا لم نُنقذهم ، بل سيسألنا كيف تجرأنا على العيش وكأن شيئاً لم يحدث

بقلم الكاتب الصحفى : أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب ✍🏻

في كل مرة نُشغِّل شاشات هواتفنا ، تندفع نحو عيوننا صورٌ لا تُحتمل : جثث أطفالٍ تتدلى من بين الحُطام كأوراق شجر مُمزقة ، صرخات أمهاتٍ يُحاولن انتزاع ذكريات أبنائهن من تحت الركام ، شوارع بكاملها تتحول إلى ساحات مفتوحة للموت . المشهد لا يختلف كثيراً عن فيلم رعب ، لكن الفارق الوحيد أن الضحايا هنا حقيقيون ، وأن الدماء ليست مُؤثراتٍ بصرية ، الخطر لا يكمن في هذه الصور بحد ذاتها ، بل في أن نصبح تدريجياً غير قادرين على الشعور بألمها ، أن تتحول الفظائع إلى “روتين” نستهلكه مع فطور الصباح ، أن نستسلم لفكرة أن ما يحدث هو “قدر” لا يُمكن تغييره ، هذه اللامبالاة ليست بريئة ؛ إنها قيد نضعه بأيدينا على أذرعنا ، وترخيصٌ نمنحه للجلادين لمواصلة الذبح.

الاعتياد على الإبادة جريمةٌ لا تُغتفر . حين تمر أيامٌ دون أن تقشعر أبداننا لخبر مقتل عائلة بكاملها ، أو نُشاهد طفلاً يبحث عن دواء لوالده تحت القصف دون أن تدمع أعيننا ، فنحن لا نخون ضحايا غزة فحسب ، بل نخون إنسانيتنا نفسها. التاريخ لن يسألنا لماذا لم نُنقذهم ، بل سيسألنا كيف تجرأنا على العيش وكأن شيئاً لم يحدث. الصمت ليس حياداً ؛ إنه موقفٌ سياسي بامتياز، وقوفٌ في صفٍّ خلفي لجيش الاحتلال، وإعلانٌ ضمني بأن الدم الفلسطيني مُسوّغٌ لأنهم “مجرد أرقام” في حربٍ لا نعيش تفاصيلها.

العدو لا يخشى دموعنا ، بل يخشى تحويل تلك الدموع إلى سلاح. ما قيمة تغريدة نكتبها ونحن نستخدم هواتفاً صنعتها شركاتٌ تموّل دبابات الاحتلال ؟
ما جدوى الدعوات العاطفية للسلام بينما ندفع ضرائبَ تُحوَّل إلى قنابلَ تُلقى على رؤوس الأبرياء ؟ المقاومة اليوم ليست خياراً ، بل مسؤولية وجودية . تبدأ بخطواتٍ بسيطة لكنها قاطعة : مقاطعة كل سلعةٍ تلوثها دماء غزة ، تحويل منصات التواصل إلى ساحاتٍ لإسقاط الأكاذيب ، ملاحقة الساسة بأسئلةٍ محرجةٍ حتى يُجبروا على وقف التمويل . لا يكفي أن ننشر صورة طفلٍ مقتول ؛ علينا أن نكون صوت ذلك الطفل الذي لم يعد لديه حنجرة ليصرخ.

الإعلام العالمي يحاول تحويل غزة إلى “دراما إخبارية” نتابعها بانفصال ، لكن الحقيقة أن كل طلقة رصاص هناك تُطلق صافرة إنذار في ضمير العالم. عندما نُوثِّق الجرائم ، عندما نُحرج الروايات الزائفة بأسئلتنا ، عندما نرفض أن نكون “مُشاهدين” عاديين ، فإننا نُحوِّل الكاميرات إلى أسلحة ، والكلمات إلى قنابل موجهة نحو جبهة الكذب.
تذكروا : كل فيديو يُنشر ، كل بيان يُكذب الرواية الرسمية ، هو إبرة تُثقب بالون الإفلات من العقاب.

الوقت ليس حليفنا . كل دقيقة تمر هي رصيدٌ جديد في جيب القتلة ، لا تنتظر حتى ترى جثة طفلٍ آخر لتتحرك ، لا تُصدق من يُخبرك أن القضية “معقدة”، فالمعادلة أبسط مما تتخيل : هناك من يقتل ، وهناك من يُقتل ، وأنت إما أن تكون جسراً للنجاة أو حجراً في جدار الصمت. حتى لو شعرت أن صراخك يضيع في الفراغ ، اصرخ ! ففي مكانٍ ما من العالم، هناك من يصرخ مثلك ، وعندما تلتقي الأصوات ، تُولد زلازل تُطالب بالعدالة.

غزة ليست مجرد نقطة على الخريطة ، بل هي مرآة تُظهر حقيقة عالمنا القاسي. لن يُحاسبنا التاريخ على ما فعلناه أو لم نفعله قبل عشر سنوات ، بل على ما نفعله اليوم، في هذه اللحظة بالذات ، بينما تُباد عائلةٌ كاملة تحت أنقاض منزلها. الدم الذي يسيل هناك ليس دم “نزاع سياسي” ، بل هو سِفرٌ يسجل تفاصيل انهيار الضمير الإنساني. إذا لم نرفض أن نكون جزءاً من هذه المسرحية الدموية ، إذا لم نصرخ حتى يُنزع القناع عن وجوه من يدَّعون “الحياد”، فسنكون جميعاً شركاء في جريمةٍ ستطاردنا في كتب التاريخ ، كخونةٍ تنازلوا عن إنسانيتهم لقاء راحة الصمت.

العار ليس أن تقف عاجزاً … العار أن تختار أن تكون عاجزاً .

سنلتقى إن كان فى العمر بقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى