قلم السلام حمدى قنديل

الجسد السليم والوعاء المنسي: كيف حوّل الإنسان نِعَم الخلق إلى علل؟
بقلم : قلم السلام حمدى قنديل
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وجعل هذا الجسد آية محكمة في توازنها وقوتها. لم يكن القضاء الإلهي يومًا أن يعيش الإنسان مكبلًا بالمرض، أو أن يقضي خريف عمره في الأربعين والخمسين والستين أسيرًا للعلل والوهن المتواصل. الله سبحانه غني عن العالمين، رحمن رحيم، خلق البشر ليعمروا الأرض بقوة، ويعبدوه بارتقاء وازدهار، ويستمتعوا بنعمه حتى آخر رمق في حياتهم.
فمن أين أتانا هذا الوهن المستمر؟ وكيف تحولنا من أجساد قوية إلى كائنات تتحرك بالدواء وتبحث بين أروقة المستشفيات والتحاليل؟
فك الشفرة: من المذنب.. الجسد أم الطعام؟
الجسد ليس هو السبب؛ فالجسد جهاز رباني ذكي يمتلك قدرة هائلة على الشفاء الذاتي والتكيف. إن اللغز يكمن في الآية الكريمة: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.
المرض الحالي ليس “خِلقة” من الله، بل هو “صناعة” بشرية بامتياز. لقد أصبح الطعام الذي نتناوله هو الداء وهو سبب العلة، والسبب وراء ذلك هو غياب الضمير وحب المال جَمًّا. لقد انتشر الفساد والتلوث في الأغذية إلا من رحم ربي، واختل النظام الحيوي الذي فطرنا الله عليه.
الدستور الإلهي: فلينظر الإنسان إلى طعامه
لقد وضع الخالق عز وجل لنا دستورًا واضحًا لإدارة هذا الجسد، لكننا أغفلناه؛ قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}، وقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}.
الله لم يخلقنا لنأكل بنهم طوال اليوم ونغرق أجسادنا بسموم الأغذية المصنعة. وحين يغيب ضمير السوق، يصبح فرضًا على الإنسان أن يكون هو حارس جسده، فـ “الإنسان على نفسه بصيرة”.
والعودة إلى الفطرة تعني تقليل الطعام، واختياره بعناية فائقة، واللجوء إلى الصيام؛ فالصيام نجاة ومدرسة ربانية لتطهير الجسد من السموم المتراكمة وإعادة ضبط خلاياه. إن الغاية من وجودنا هي العبادة، والإعمار، والرقي الروحي والمادي، ولن يتحقق هذا ونحن نقضي أعمارنا حول الدكاترة والمستشفيات. وبدلاً من أن نشكو إلى الله أمراضاً صنعها تفريطنا، وجب علينا أن نحمده ونشكره على نعمه التي لا تُحصى.
نداء واستنهاض: إلى كل صانع وتاجر ومزارع
من هنا، نتوجه بنداء حار إلى كل مزارع يروي أرضه، إلى كل مصنّع يدير عجلات الإنتاج، وإلى كل تاجر يعرض بضاعته للناس؛ إلى كل من يملك يدًا في لقمة عيش البشر وقوتهم: اتقوا الله في أجساد العباد، وتجنبوا كل ما هو مضر بالصحة تكن أغنى الناس، فإن المال زائل وفانٍ، وأنتم فانون، ولا يبقى للمرء بعد رحيله إلا أثرٌ طيب أو وزرٌ ثقيل.
المال الحرام.. نبتُ السحت والهلاك
إن التكالب على الربح السريع عبر غش الغذاء، أو استخدام المواد الضارة، أو المسرعات الكيماوية المحرمة، هو عين “السحت”. ولقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقاعدة حاسمة: “كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ”. أيُّ خيرٍ يرتجيه مرءٌ من أموالٍ يجمعها على حساب صحة طفل، أو أنين مريض، أو وهن شيخٍ كبير؟ إن البركة لا تأتي بالتدليس، ومن غشنا ليس منا.
وعي المستهلك: زمن الغفلة انتهى
ليعلم كل منتج وتاجر أن الوعي العام قد تغير؛ فالناس اليوم أصبح عندهم ثقافة واطلاع، ولم يعودوا مستهلكين مغيبين. لقد بدأت ثقافة الطب الوقائي تنتشر بقوة، وتيقن المجتمع أن حماية الجسد تبدأ من التدقيق في المدخلات وعدم شراء أي شيء فيه ضرر.
الجمهور اليوم يضعكم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما تغيير طريقة التصنيع واللجوء إلى صناعة نظيفة تلتزم بالمعايير الأخلاقية والصحية.
وإما المقاطعة الشاملة وتخسرو كل شيء؛ فلن يشتري الناس سمومًا بمدخراتهم ليفنوا بها صحتهم.
تجارتك.. طريقك إلى الجنة
إن عملك في توفير القوت للناس ليس مجرد مهنة لكسب المال، بل يمكن أن تجعله طريقك إلى الجنة، وهو الطريق المستقيم إن صدقت ونصحت. أصلحوا نياتكم، وطهروا زروعكم ومصانعكم، واجعلوا من لقمة الطيبين دواءً لا داءً، لتسعدوا في الدنيا والآخرة، ولتكون تجارةً تنجيكم يوم العرض عليه.


