لماذا لا نحتاج إلى مزيد من المعلومات… بل إلى فهم الإنسان؟

لماذا لا نحتاج إلى مزيد من المعلومات… بل إلى فهم الإنسان؟
في زمن أصبحت فيه المعلومة أقرب إلينا من أي وقت مضى، لم يعد من الصعب أن تعرف ما هو القلق، أو أن تقرأ عن التعلق، أو أن تشاهد عشرات الفيديوهات عن الصدمات النفسية، أو تحفظ مجموعة من التقنيات التي يُقال إنها تساعد على تنظيم المشاعر.
لكن تخيل شخصين قرآ نفس الكتاب، وحضرا نفس الدورة، وتعلما نفس التقنيات.
ثم جلس أمام كل واحد منهما شخص يعاني من القلق.
الأول بدأ مباشرة في تطبيق ما تعلمه:
“جرب تمرين التنفس ده.”
ثم:
“اكتب أفكارك السلبية.”
ثم:
“لازم تغير طريقة تفكيرك.”
أما الثاني، فتوقف قليلًا وسأل:
“قبل ما نحاول نغير حاجة… إيه اللي بيحصل معاك أصلًا؟”
ما الذي تخاف منه؟
منذ متى تشعر بهذا؟
ماذا يحدث عندما يزيد القلق؟
هل هذا القلق مرتبط بموقف محدد، أم أصبح جزءًا من حياتك اليومية؟
وماذا يعني لك ما تمر به؟
قد يكون الاثنان يمتلكان نفس المعلومات…
لكن ليس بالضرورة أن يمتلكا نفس القدرة على فهم الإنسان.
وهنا تظهر مشكلة مهمة في عصرنا الحالي:
هل كثرة المعلومات جعلتنا أكثر فهمًا للإنسان؟

ربما العكس أحيانًا.
أصبحنا نملك أسماء كثيرة للمشكلات النفسية، ومصطلحات أكثر، واختبارات، وتقنيات، ومحتوى لا ينتهي.
نعرف مصطلح التعلق القلق.
نعرف الاحتراق النفسي.
نعرف التفكير الزائد.
نعرف الصدمة.
نعرف الطفل الداخلي.
لكن هل معرفة الاسم تعني أننا فهمنا الشخص؟
ليس بالضرورة.
فأن تقول عن شخص:
“ده عنده تعلق قلق”
لا تخبرك وحدها:
كيف نشأ هذا النمط؟
ما الذي يثيره؟
كيف يختبره هذا الشخص؟
ما علاقته بتاريخه؟
ما الموارد الموجودة لديه؟
وما الذي يحتاجه الآن؟
التسمية قد تكون بداية للفهم، لكنها ليست الفهم نفسه.
المعلومة تخبرك “ماذا”… أما الفهم فيسألك “لماذا وكيف؟”
يمكن أن أعرف أعراض الاكتئاب، لكن ذلك لا يعني أنني فهمت الشخص المكتئب الذي أمامي.
يمكن أن أعرف خصائص الصدمة النفسية، لكن ذلك لا يعني أنني فهمت كيف عاش هذا الإنسان تجربته.
يمكن أن أحفظ عشرات التمارين العلاجية، لكن ذلك لا يعني أنني أعرف:
متى أستخدمها؟ ولماذا؟ ومع من؟ ومتى لا أستخدمها؟
وهنا يوجد فرق جوهري بين امتلاك الأدوات وبين امتلاك القدرة المهنية على استخدامها.
الأداة في حد ذاتها لا تعرف الإنسان.
أنت من يحتاج إلى أن يفهم:
من أمامك؟
ما الذي يحدث له؟
ما الذي يحتاجه؟
وما حدود دورك؟
الإنسان ليس مجموعة أعراض
وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار التي نحتاج أن نستعيدها في تعاملنا مع الصحة النفسية.
عندما يأتي شخص ويقول:
“أنا عصبي.”
فنحن لا نعرف بعد ماذا يعني ذلك.
هل هو مرهق؟
هل يعيش تحت ضغط مستمر؟
هل لديه صعوبة في تنظيم انفعالاته؟
هل الغضب هو الشعور الظاهر بينما يوجد تحته خوف أو حزن أو عجز؟
هل تعلم منذ طفولته أن التعبير عن الاحتياج ضعف؟
أم أن ما يمر به مرتبط بظروف حياتية صعبة؟
نفس السلوك الظاهر يمكن أن يكون له أكثر من تفسير.
ولهذا فإن التعامل المهني مع الإنسان لا يبدأ دائمًا بالسؤال:
“ما التقنية التي سأستخدمها؟”
بل يبدأ بسؤال أكثر أهمية:
“ماذا يحدث لهذا الإنسان؟”
ولهذا لا تكفي النية الطيبة أيضًا
قد يرغب شخص في مساعدة الآخرين فعلًا.
وقد يكون شديد التعاطف، حسن النية، وقادرًا على الاستماع.
وهذه صفات مهمة جدًا.
لكن العمل مع النفس الإنسانية يحتاج إلى أكثر من ذلك.
يحتاج إلى:
معرفة علمية.
وتدريب.
وقدرة على التفكير النقدي.
وفهم للحدود المهنية.
ومعرفة بمتى نتدخل…
ومتى نتوقف…
ومتى نحتاج إلى إحالة الشخص إلى متخصص آخر.
لأن الرغبة في المساعدة لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على المساعدة.
ربما لهذا نحتاج إلى أن نعيد ترتيب السؤال
بدل أن نسأل:
“ما المعلومة الجديدة التي أحتاج أن أتعلمها؟”
ربما نحتاج أحيانًا أن نسأل:
“هل تعلمت كيف أفهم الإنسان الذي سأستخدم هذه المعلومة معه؟”
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لأن فهم الإنسان يعني أن نراه في سياقه، لا في عرض واحد.
أن نسمع قصته، لا أن نكتفي بتصنيفه.
أن نلاحظ ما يقوله وما لا يستطيع قوله.
أن نفهم أن السلوك الذي يبدو لنا غير منطقي قد يكون له منطق داخل تجربة صاحبه.
وأن نتذكر أن الإنسان ليس مجرد مشكلة نبحث لها عن حل.
إنه شخص له تاريخ، وعلاقات، ومعتقدات، واحتياجات، وموارد، ومخاوف، ومعنى خاص لما يعيشه.
ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية
كلما تعمقنا في دراسة الإنسان، اكتشفنا أن السؤال أكبر من:
“كيف نعالج المشكلة؟”
السؤال الأول هو:
من هو الإنسان الذي أمامنا؟
كيف يفهم نفسه؟
كيف تتكون صورته عن ذاته؟
كيف تتشكل مشاعره؟
كيف يتأثر بعلاقاته وبيئته؟
ما الذي يمنحه المعنى؟
وما الذي يحدث عندما يفقد هذا المعنى؟
هذه الأسئلة هي التي قادت الإنسان إلى التفكير في النفس منذ قرون، قبل أن يصبح علم النفس تخصصًا أكاديميًا مستقلًا.
وهي التي ستقودنا لاحقًا إلى سؤال أكثر عمقًا:
كيف فهمت الثقافات المختلفة الإنسان؟
وكيف حاول علم النفس الحديث أن يفسر تجربته؟
وهل توجد مساحات يمكن أن يتحاور فيها العلم الحديث مع التراث الفكري والثقافي دون أن نخلط بينهما أو نفرض أحدهما على الآخر؟
ربما لا نحتاج دائمًا إلى معلومات أكثر.
ربما نحتاج أولًا إلى أن نتعلم كيف نفهم ما لدينا من معلومات… ومن نستخدمها معه.
لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى شخص يعرف عنه الكثير…
بل يحتاج إلى شخص يعرف كيف يراه.


