معالم الائتلاف الإسلامي.. المتفق عليه للعامة والمختلف فيه للنخبة

معالم الائتلاف الإسلامي.. المتفق عليه للعامة والمختلف فيه للنخبة
بقلم: قلم السلام الشريف حمدي قنديل
رئيس مؤسسة التسامح والسلام
تتقاطع الأمة الإسلامية اليوم عند مفترق طرق تاريخي بالغ الدقة والحساسية؛ فبينما تتسارع خطى العالم نحو التكتل والتكامل، لا تزال أجزاء واسعة من ديار الإسلام تستنزف طاقاتها في أتون صراعات داخلية ومذهبية عقيمة. وإذا كان التنوع البشري والمذهبي سُنة كونية إلهية أرادها الخالق سبحانه لتعارف الأمم وعمارة الأرض، فإن تحول هذا التنوع إلى صراع مدمر وتناحر مقيت إنما يعود إلى الانحراف عن المنهج القويم في إدارة الاختلاف، وهو ما يستدعي صياغة خارطة طريق فكرية ومؤسسية واعية تنقذ السفينة من امواج الفرقة العاتية.

لقد وضع النداء الإلهي الأبدي الحاكم لكل موازين الاجتماع البشري السليم في قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْحَبْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. هذا النص القرآني المحكم لا يدعو أبداً إلى إلغاء عقول الناس أو صب طاقاتهم الفكرية في قالب مصمت موحد، بل يرسخ لمعادلة الائتلاف الكبرى؛ حيث الاعتصام بالأصول الكبرى والثوابت الجامعة هو أساس الوحدة، وحفظ الوفاق المجتمعي هو الغاية التي تهون دونها كافة الاجتهادات التفصيلية الفردية.
وفي هذا السياق، تبرز المؤسسات الدينية الكبرى -من جامعات، وهيئات إفتاء، ومجامع علمية- بوصفها صمام الأمان الحقيقي وحصن الوعي الأول للأمة. وتتطلب المرحلة الراهنة من هذه المؤسسات العريقة الانتقال الشجاع من مرحلة رد الفعل الدفاعي إلى مرحلة هندسة الوعي الاستباقي، عبر إرساء قاعدة محكمة وموضوعية لإدارة الخطاب العام، تُختزل في معيار منهجي فريد: “المتفق عليه للعامة.. والمختلف فيه للنخبة”.
إن هذه القاعدة ليست مجرد شعار نظري، بل هي أداة تشريعية ومجتمعية عملية لتجفيف منابع التطرف والتعصب؛ إذ تقضي بأن تُقدّم للعامة في المساجد، والمنابر، والإعلام العام، دائرةُ الثوابت والمسقطات الكبرى والقطعيات التي أجمعت عليها الأمة ولم يقع فيها خلاف معتبر، لكونها منطقة جمع ووحدة يمتنع إثارة البلبلة حولها. وفي المقابل، تُترك دائرة الفروع الفقهية والظنيات والاجتهادات الاحتمالية حصرياً لأروقة النخبة المتخصصة، والعلماء الراسخين، والباحثين في المجامع الفقهية ليدرسوها بهدوء وموضوعية بعيداً عن صخب الشارع وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية بين العوام.
إن التزام الدعاة وخطباء المنابر بهذا الميثاق الأخلاقي والوطني لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو فرض عين وفريضة ملحة على كل من يتصدى لتوجيه الرأي العام الديني. فليس من الحكمة ولا من الأمانة الشرعية أن يرتجل خطيب أو داعية ليثير مسائل خلافية دقيقة أو آراء فشادّة على أعين العامة، بحجة “الغيرة للدين”، بينما هو يهدم من حيث لا يدري بنيان السلم المجتمعي ويمزق وحدة الصف الإسلامي التي أمر الله بصيانتها. إن الغيرة الحقة للدين اليوم تتجلى في حماية الأوطان، وحفظ دماء المعصومين، ووحدة الكلمة والصف.
إن تفعيل هذه الخارطة المؤسسية سيحدث نقلة نوعية كبرى في واقع الأمة المعاصر؛ فنحن أمام حتمية تاريخية تقتضي الانتقال من ثقافة “صراع الفروع وإقصاء المخالف” إلى فقه “ثراء التنوع وضرورة التعايش”. وحين تتوجه طاقات الأمة الحية نحو غايتها الكبرى في عمارة الأرض بالعدل واليقين والسلام، ستدرك الأمة مجدداً المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
آن الأوان لأن تتكاتف المؤسسات والتيارات المعاصرة تحت راية الهدي القرآني الخالد: “اعبدوا الله ولا تفرقوا”، لتتحرر العقول من ربقة التحزب الضيق والتعصب المقيت، وتجتمع القلوب على كلمة سواء، مستلهمة روح الإخاء النبوي والتسامح التاريخي الراسخ لأئمة الإسلام الأعلام، لعل الأمة تستعيد ألقها الحضاري وتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس تنشر السلام والمحبة في العالمين.

