اخبار اليوم
أخر الأخبار

نزيف الحوادث في مصر.. متي، سينتهي؟

كتب شعبان الزيني

 نزيف الحوادث في مصر.. متي سينتهي؟

بقلم: الكاتب الصحفي شعبان الزيني

لم تعد الحوادث في مصر مجرد أخبار عابرة نقرأها في صفحات الحوادث ثم نغلق الهاتف ونواصل يومنا، بل أصبحت ظاهرة مؤلمة تتكرر بصورة تفرض علينا سؤالًا صعبًا: إلى متى سنظل نكتفي بإعلان أعداد الضحايا، بدلًا من البحث الجاد عن أسباب سقوطهم؟

حادث وراء حادث، ودماء جديدة على الطرق، وأسر تستيقظ على خبر يفقدها ابنًا أو أبًا أو أخًا. وفي كل مرة تتكرر المشاهد نفسها: سيارات إسعاف، رجال إنقاذ، مستشفيات تستقبل المصابين، تحقيقات تبدأ، ثم تهدأ الضجة مع مرور الأيام، وكأن شيئًا لم يحدث.

حادث الدواويس بالإسماعيلية كان جرس إنذار جديدًا؛ فقد خلف عشرات الضحايا والمصابين، وكشفت التحقيقات أن انفجار إطار إحدى المركبات كان من أسباب التصادم المميت.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: كيف وقع الحادث؟

السؤال الحقيقي هو: هل كان يمكن منعه قبل أن يقع؟

فالسلامة على الطرق لا تبدأ لحظة وقوع الحادث، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من فحص المركبة، وصلاحية الإطارات، وحالة السائق، والالتزام بالسرعات، والحمولات، وطبيعة الطريق، والرقابة المستمرة على وسائل نقل المواطنين والعمال.

وإذا كانت هناك مخالفات يتم ضبطها يوميًا بأعداد ضخمة، فهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب القوانين فقط، وإنما في ضرورة استمرار الرقابة وتطبيق القانون بحسم. فقد أعلنت وزارة الداخلية في إحدى حملاتها خلال 24 ساعة ضبط أكثر من 111 ألف مخالفة مرورية متنوعة، بينها مخالفات سرعة، وتحدث في الهاتف أثناء القيادة، ومخالفات شروط التراخيص، إلى جانب ضبط حالات إيجابية لتعاطي مواد مخدرة.

إذن أين الخلل؟

الخلل يبدأ عندما تتحول المخالفة إلى عادة، وعندما يعتقد البعض أن الطريق ملك له وحده، فيقود بسرعة جنونية، أو يستخدم هاتفه، أو يقود مركبة غير صالحة، أو ينقل مواطنين في وسيلة لا تتوافر فيها أبسط شروط الأمان.

والأخطر أن بعض الحوادث لا تنتهي عند التصادم الأول، بل قد تتحول إلى سلسلة من التصادمات، خصوصًا على الطرق السريعة، وهو ما يجعل خطأً واحدًا قادرًا على تحويل الطريق إلى كارثة جماعية.

ولا يجب أن نحصر قضية الحوادث في الطرق فقط.

فهناك حوادث الحرائق، والغاز، وانهيارات العقارات، والكهرباء، والمصانع، وغيرها من الحوادث التي تحصد الأرواح، وكل حادث منها يفتح الباب أمام السؤال نفسه: هل كان الحادث قدرًا لا يمكن منعه، أم نتيجة إهمال كان يمكن تداركه؟

نحن لا نريد أن نبحث عن شماعة نعلق عليها المسؤولية، ولا نريد محاكمة أحد عبر صفحات الصحف قبل انتهاء التحقيقات، لكننا نريد ثقافة وقاية حقيقية.

العالم كله يتعامل مع السلامة باعتبارها منظومة متكاملة، وليس مجرد مخالفة يتم تحريرها بعد وقوع الكارثة. ومنظمة الصحة العالمية تؤكد أن تقليل وفيات الطرق يحتاج إلى العمل على الطرق والمركبات والسرعات وسلوك مستخدمي الطريق والرعاية بعد الحوادث، وليس الاعتماد على عامل واحد فقط.

الأرواح ليست أرقامًا في نشرات الأخبار.

كل رقم خلفه بيت، وأسرة، وأحلام، وأطفال ينتظرون عودة أب أو أم، وأم لا تعرف كيف ستكمل حياتها بعد فقدان ابنها.

لذلك نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة السلامة في مصر، تبدأ من الرقابة على المركبات والسائقين، ولا تنتهي عند تصميم الطرق والإضاءة والإشارات والاستجابة السريعة للحوادث.

نحتاج إلى أن تصبح الوقاية من الحادث هدفًا قبل وقوعه، وليس مجرد التعامل مع آثاره بعد وقوعه.

فالمواطن المصري من حقه أن يخرج من منزله ويعود إليه سالمًا.

ومن حق العامل أن يستقل وسيلة نقل آمنة.

ومن حق الأسرة ألا تعيش كل صباح في خوف من مكالمة هاتفية تحمل خبرًا مأساويًا.

كفى دماءً على الطرق.. وكفى انتظارًا حتى تقع الكارثة ثم نبدأ في السؤال: من المسؤول؟

المطلوب ليس بيانات تعزية فقط، ولا حملات مؤقتة بعد كل حادث.

المطلوب أن نمنع الحادث قبل أن يصبح خبرًا، وأن نحمي الإنسان قبل أن يتحول إلى رقم في قائمة الضحايا.

مصر تستحق طرقًا أكثر أمانًا.. ومواطنها يستحق أن يعود إلى بيته حيًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى