أخبار العالم
أخر الأخبار
عبدالله شلبي يكتب: كيف استُبدلت القدوة بالترند؟ ولماذا ضاع الطريق؟
قراءة في انهيار النموذج وصناعة الوهم

بقلم: عبدالله شلبي

حين يُسأل الشاب اليوم:
«من قدوتك؟»
تكشف الإجابة كثيرًا من ملامح الأزمة.
فبعد أن كانت القدوة يومًا عالمًا، أو مربّيًا، أو صاحب خُلُق ورسالة،
أصبحت في كثير من الأحيان مجرّد اسمٍ مشهور، أو صانع جدل، أو نجم ترند عابر.
لم نفقد القدوة فجأة،
بل استبدلناها تدريجيًا،
دون وعيٍ بحجم الخسارة.
حين تحوّلت الشهرة إلى معيار،
والمشاهدات إلى قيمة،
والإثارة إلى وسيلة للانتشار،
تراجع النموذج الحقيقي،
وتقدّم الوهم في صمت.
لم يعد السؤال: ماذا تقدّم؟
بل: كم حصدت من المتابعين؟
ولم يعد المعيار: ماذا تمثّل؟
بل: كم صنعت من ضجيج؟
هكذا صعد كثيرون بلا رسالة،
وتراجع أصحاب المعنى بلا ضجيج،
واختلط التأثير بالسطحية،
والنجاح بالمظاهر.
ساهم الإعلام،
وساهمت المنصّات الرقمية،
وساهم ذوق عام أُرهق طويلًا،
في إعادة تشكيل وعي الأجيال.
فصار الشاب يرى النجاح في عدد المشاهدات،
والتأثير في سرعة الانتشار،
والقيمة في حجم التفاعل.
ومن منظور ديني اجتماعي،
فإن أخطر ما في هذه الظاهرة
أنها تفصل التأثير عن الأخلاق،
والشهرة عن المسؤولية،
والظهور عن الصدق.
في الإسلام،
لم تكن القدوة يومًا صورةً لامعة،
بل كانت سلوكًا مستقيمًا،
وثباتًا على المبدأ،
وخدمةً صادقة للناس.
كان النبي ﷺ قدوةً لأنه كان إنسانًا قبل أن يكون مشهورًا،
وصادقًا قبل أن يكون مؤثّرًا،
ورحيمًا قبل أن يكون متبوعًا.
وكان العلماء والمصلحون عبر التاريخ
يؤثّرون بأفعالهم قبل كلماتهم،
وبأخلاقهم قبل خطاباتهم.
اليوم،
نرى كثيرًا من الشباب يقلّدون المظهر،
واللغة،
وأسلوب الحياة،
دون أن يسألوا: إلى أين يقودني هذا الطريق؟
فتضيع البوصلة،
وتتشوّه المعايير،
ويكبر جيلٌ يعرف كل شيء عن المشاهير،
ولا يعرف كثيرًا عن المعنى والرسالة.
ومع ذلك،
فإن الأمل لم يضع.
فالعودة ممكنة،
حين تستعيد الأسرة دورها التربوي،
ويستعيد الخطاب الديني حكمته واتزانه،
ويظهر محتوى يحترم العقل والقيم،
وتُصنع نماذج حقيقية قريبة من الناس.
نحتاج أن نعيد تعريف النجاح،
وأن نربط التأثير بالقيمة،
والشهرة بالأمانة،
والانتشار بالمسؤولية.
الأمم لا تنهض بالترند،
بل بالنماذج الصادقة.
ولا تُبنى بالضجيج،
بل بالقدوة الواعية.
وفي مشروع الوعي الديني،
نؤمن أن استعادة الطريق
تبدأ بإعادة الاعتبار للمعنى قبل الصورة،
وللجوهر قبل الواجهة،
وللرسالة قبل الشهرة.
في المقالين القادمين
نناقش كيف يتحوّل العبث إلى أسلوب حياة،
وكيف تُغتال القيم باسم “الحرية”،
حين تُفصل الحرية عن المسؤولية،
ويُقدَّم الانفلات في صورة حق،
والتجاوز في صورة تحرّر،
تمهيدًا لقراءةٍ أعمق تكشف أثر ذلك في تفكيك وعي الأجيال
تنويه:
تأتي هذه المقالات ضمن مشروع الوعي الديني،
لتصحيح المفاهيم، وترسيخ الفهم الوسطي،
وبناء عقلٍ ناقدٍ يحصّن المجتمع من التطرف، والتضليل،
ويعيد الاعتبار للقيم، والهوية، والمسؤولية






