مشاهير

لماذا يهرب الإنسان إلى الفن عندما تعجزه الكلمات؟

لماذا يهرب الإنسان إلى الفن عندما تعجزه الكلمات؟

حين يصبح الرسم لغةً للنفس قبل أن يكون عملاً فنيًا

في إحدى الجلسات العلاجية، كانت تجلس أمامي شابة في العشرين من عمرها، تتحدث عن تجربة تركت بداخلها أثرًا نفسيًا عميقًا. كانت تحاول أن تروي ما حدث، لكن الكلمات كانت تتعثر، والجمل تنقطع، وكأن اللغة لم تعد قادرة على حمل ما تشعر به.

وبينما كانت تتحدث، امتدت يدها تلقائيًا إلى قلم موضوع على الطاولة، وبدأت ترسم خطوطًا متشابكة على ورقة بيضاء. لم تكن رسمة، ولم يكن شكلًا مقصودًا، بل مجرد خربشات تتقاطع وتلتف فوق بعضها البعض.

لم أطلب منها أن ترسم.

ولم تكن هي تقصد أن تنتج عملاً فنيًا.

لكن شيئًا بداخلها كان يحتاج إلى وسيلة أخرى للتعبير.

راقبت المشهد، ولم يكن اهتمامي بالخربشات نفسها، بل بما كانت تعيشه وهي ترسمها. وعندما انتهت، سألتها سؤالًا بسيطًا:

“وأنتِ ترسمين هذه الخطوط… ماذا كان يحدث بداخلك؟”

نظرت إلى الورقة لثوانٍ، ثم قالت:

“لأول مرة أشعر أن الورقة رسمت ما لم أستطع قوله.”

تلك الجملة تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة الإنسان.

فالإنسان لا يعبّر دائمًا بالكلمات.

وأحيانًا، عندما يصبح الألم أكبر من قدرة اللغة على وصفه، يبحث العقل عن طريق آخر.

هل نعجز أحيانًا عن الكلام؟

يعتقد كثيرون أن التعبير اللفظي هو الوسيلة الأساسية لفهم المشاعر، لكن علم النفس وعلم الأعصاب يشيران إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

فعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي شديد، أو لخبرة صادمة، أو لمشاعر يصعب تنظيمها، قد يجد نفسه عاجزًا عن وصف ما يشعر به بدقة. ليس لأنه لا يريد الحديث، بل لأن التجربة الانفعالية نفسها قد تسبق الكلمات.

وقد أظهرت أبحاث في علم الأعصاب أن الخبرات الانفعالية القوية تؤثر في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات، وهو ما يفسر لماذا يجد بعض الأشخاص سهولة أكبر في التعبير من خلال الرسم، أو الكتابة، أو الحركة، أو الموسيقى، مقارنة بالتعبير اللفظي المباشر.

وهذا لا يعني أن الفن “يعالج” بمفرده، لكنه قد يفتح بابًا للتعبير عندما تصبح اللغة غير كافية.

لماذا أصبح الفن جزءًا من العلاج النفسي؟

العلاج بالفن ليس تعليمًا للرسم، ولا يعتمد على الموهبة الفنية، ولا يهدف إلى إنتاج لوحات جميلة.

بل يقوم على استخدام العملية الإبداعية كوسيط يساعد الإنسان على التعبير عن خبراته، واستكشاف مشاعره، وفهمها داخل علاقة علاجية آمنة يقودها مختص مؤهل.

ومن هنا، فإن قيمة الرسم لا تكمن في شكله، وإنما في معناه بالنسبة لصاحبه.

فالرسمة لا تتحدث وحدها…

بل يتحدث الإنسان من خلالها.

بين العلم والخرافة

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت مقاطع تدّعي القدرة على تفسير شخصية الإنسان من لون اختاره، أو من شكل شجرة رسمها، أو من حجم عيني شخص في لوحة.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

لا توجد في الأدبيات العلمية المعتمدة قاعدة تقول إن اللون الأسود يعني الاكتئاب، أو أن رسم البحر يدل على الحرية، أو أن الخطوط المتشابكة تعني القلق.

هذه التفسيرات المطلقة تفتقر إلى الأساس العلمي، لأنها تتجاهل أهم عنصر في العملية العلاجية…

وهو الإنسان نفسه.

فقد يرسم شخصان الشكل ذاته، لكن يحمل كل منهما قصة مختلفة تمامًا.

ولهذا، لا يبدأ المعالج المحترف بتفسير الرسم، بل يبدأ بالحوار مع صاحبه.

يسأل…

ويستمع…

ويفهم السياق الذي خرجت منه هذه الصورة.

ماذا تقول الأبحاث؟

شهدت العقود الأخيرة نموًا ملحوظًا في الدراسات التي تناولت العلاج بالفن والتدخلات التعبيرية.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن العلاج بالفن قد يكون مفيدًا في تحسين التعبير الانفعالي، وخفض مستويات التوتر، ودعم بعض الأشخاص الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو آثار الصدمات، عندما يُقدَّم بواسطة مختصين مؤهلين، وضمن خطة علاجية متكاملة.

لكن هذه الدراسات تؤكد أيضًا أن العلاج بالفن ليس بديلًا عن العلاج النفسي أو الطبي عند الحاجة، كما أن فاعليته تعتمد على طبيعة الحالة، وأهداف التدخل، وكفاءة المعالج.

وهذا ما يميز الممارسة المهنية عن الوعود التسويقية.

الفن… ليس رفاهية

لطالما ارتبط الفن في أذهان كثيرين بالجمال أو الترفيه.

لكن عبر التاريخ، استخدم الإنسان الرسم، والموسيقى، والرقص، والكتابة، ليس فقط ليبدع، بل ليحافظ على توازنه النفسي، ويمنح تجاربه معنى.

ربما لهذا السبب، عندما تضيق الكلمات، تمتد اليد تلقائيًا إلى قلم…

أو إلى لون…

أو إلى ورقة بيضاء.

ليس لأن الإنسان يبحث عن لوحة جميلة.

بل لأنه يبحث عن نفسه.

خاتمة

في نهاية تلك الجلسة، لم تكن الخربشات هي ما غيّر شيئًا.

الذي صنع الفارق هو أنها استطاعت، لأول مرة، أن ترى مشاعرها خارجها، وأن تمنحها اسمًا.

وهذا هو جوهر العلاج بالفن.

ليس أن نفسر الرسومات…

بل أن نساعد الإنسان على أن يجد لغةً لما يعجز عن قوله.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يخبره بما تعنيه خطوطه…

بل يحتاج إلى من يجلس بجواره، ويساعده على اكتشاف معناها بنفسه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى