مشاهير

المولد النبوي الشريف: تجديدُ العهد مع مقام صاحب الخُلُق العظيم

المولد النبوي الشريف: تجديدُ العهد مع مقام صاحب الخُلُق العظيم

​بقلم: الكاتب والمفكر (قلم السلام) حمدي قنديل

​إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

​إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ليس مجرد عادةٍ زمنيةٍ تُستعاد، ولا احتفالٍ ظاهريٍّ يقتصر على المظاهر، بل هو مقامُ وقفةٍ وإجلال، ومحطةٌ إيمانيةٌ جليلة لـ “إعادة ترتيب بيت المسلم من الداخل”، وترميم ما أوهنته الأيام في علاقته بربه وبسيد الخلق ﷺ.

​مقام النبي عند رب العالمين: تعظيمٌ وتوقير

​إن أول الأدب مع مقام النبي ﷺ أن نعرف قدره عند خالقه جلا وعلا؛ فقد رفعه الله مكاناً عليّاً، وقَرَن اسمه باسمه في أركان الدين، وأثنى عليه ثناءً سبحت به السماوات والأرض.

​عظمة الخُلُق الإلهي: قال العلي القدير في محكم التنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فلم يصفه بالخُلق الفاضل فحسب، بل بالخُلق “العظيم” الذي تعجز عن حصر فضائله العقول.

​الصلوات الإلهية والملائكية: قال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، فجعل الصلاة عليه أمراً إلهياً تشترك فيه ملاك السماء مع مؤمني الأرض.

​الرحمة المهداة: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فهو عين الرحمة لكل خَلقِ الله.

​الصلاة على النبي: عبادةٌ باللسان وتجلٍّ في الجوارح

​إن الصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ حين تنبع من قلب مؤمن صادق، تتحول من مجرد لفظٍ باللسان إلى منهج استقامةٍ في السلوك، وتحسنٍ في المعاملات مع عباد الله:

​الصلاة صدقٌ وأمانة: أن تصلي عليه صلاة الصادقين، يعني أن تكون سفيراً لرسالته؛ متأسياً بحلمه وصدقه وأمانته، قال ﷺ: «إنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه الترمذي].

​الصلاة رحمةٌ وعطاء: أن تصلي عليه يعني أن يمتلئ قلبك حباً لأخيك المؤمن؛ فتسعى في نفع الناس بالنفقة والصدقة والزكاة وعمارة الأرض بالخير، امتثالاً لقوله ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [متفق عليه].

​الصلاة إصلاحٌ وإيمان: أن تكون من المصلحين الذين يبنون ولا يهدمون، متأدباً بأدب القرآن الذي أمرنا بالتأسي به: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

​دعوةٌ إلى المعارضين: أليست الصلاة على النبي والاجتماع على برّه خيراً؟

​وإننا إذ نذكر بهذه المعاني الجليلة، نتوجه بقلبٍ محبٍّ وناصحٍ لكل من ينظر إلى هذه الذكرى بعين النقد والتحفظ، فنقول لهم بلسان الأدب والحرص على الأمة:

​ما الذي يضرك من عبادٍ تجردوا لله، واجتمعوا على كثرة الصلاة على نبي الله، وتدارسوا سيرته العطرة، وتذاكروا مكارم أخلاقه، وتنادوا إلى صلة الأرحام، وإطعام الطعام، وتجديد التوبة والإصلاح؟

​إن أصل الدين يعتمد على التعاون على الخير؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وحين تتجه القلوب لنبيها بالحب والاتباع، فإن ذلك مما يجمع الأمة ولا يفرقها.

​رسالةٌ إلى الإنسانية: هكذا هو خاتم النبيين

​وهي نداءٌ ربانيٌّ لكل من لم يعرف الإسلام بعد؛ إن محمداً ﷺ لم يكن داعيةً لقوميةٍ أو عرق، بل بعثه الله بنور التوحيد والعدل والمكرمات. خلقه القرآن، ورحمته وسعت أعداءه قبل أوليائه؛ قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

​فيا أتباع محمد ﷺ، كونوا أهلاً لهذه النسبة الشريفة، واجعلوا من المولد النبوي الشريف انطلاقةً جديدة لتجسيد أخلاقه الشريفة في معاملاتكم، لتكونوا بحق سفراء هدايةٍ ورحمةٍ للعالمين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى