مشاهير

زيارة شي جين بينغ لمصر.. رسائل اقتصادية تتجاوز حدود الزيارة

زيارة شي جين بينغ لمصر.. رسائل اقتصادية تتجاوز حدود الزيارة

طارق فتحي: مصر أمام فرصة لتحويل الشراكة مع الصين من التجارة إلى الإنتاج والتصدير

فرضت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر نفسها باعتبارها واحدة من أبرز محطات العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة، خاصة أنها تأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وفي ظل تحولات اقتصادية وسياسية متسارعة تعيد تشكيل خريطة الشراكات الدولية.

وفي قراءة خاصة للزيارة، علق الخبير الاقتصادي والسياحي د/ طارق فتحي إن أهمية زيارة الرئيس الصيني لمصر لا تتوقف عند الجانب البروتوكولي أو السياسي، وإنما تحمل دلالات اقتصادية أوسع، خصوصًا أن البلدين يمتلكان مقومات تكامل حقيقية يمكن أن تنقل العلاقة إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والتصدير.

وأكد الخبير الاقتصادي طارق فتحي أن السؤال الأهم بالنسبة لمصر خلال المرحلة المقبلة ليس فقط كيفية زيادة حجم التجارة مع الصين، وإنما كيفية تحويل هذه التجارة إلى استثمارات صناعية وإنتاج مشترك يحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

70 عامًا من العلاقات.. ومرحلة اقتصادية جديدة

وأشار طارق فتحي إلى أن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956، وأن العلاقات تطورت على مدار العقود حتى وصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وأوضح أن هذه الخلفية التاريخية تمنح العلاقات المصرية الصينية قاعدة قوية، إلا أن المتغير الأهم اليوم هو اختلاف طبيعة الاقتصاد الصيني نفسه، وكذلك احتياجات الاقتصاد المصري.

وقال المحلل طارق فتحي إن الصين لم تعد مجرد قوة تجارية وصناعية كبرى، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في التكنولوجيا والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية، بينما تبحث مصر عن جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج والصادرات وتوطين التكنولوجيا.

وأضاف أن هذه المعادلة تخلق فرصة غير مسبوقة أمام البلدين لبناء نموذج أكثر تطورًا للشراكة الاقتصادية.

نحو 21 مليار دولار تجارة.. لكن أين الصادرات المصرية؟

ويرى الخبير الاقتصادي طارق فتحي أن أرقام التجارة المصرية الصينية تكشف حجم العلاقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف التحدي الأكبر.

فحجم التبادل التجاري بين مصر والصين اقترب من 21 مليار دولار خلال 2025، إلا أن الميزان التجاري يميل بصورة كبيرة لصالح الصين.

وعلق فتحي على هذه النقطة قائلًا إن زيادة حجم التجارة وحدها لا يجب أن تكون الهدف النهائي لمصر.

وأوضح طارق فتحي أن الهدف الأكثر أهمية هو زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية، مؤكدًا أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى الانتقال من معادلة «نستورد من الصين» إلى «ننتج مع الصين».

وأضاف الخبير الاقتصادي أن دخول الشركات الصينية إلى مصر في صورة مشروعات إنتاجية قادرة على التصدير سيكون أكثر أهمية للاقتصاد المصري من مجرد زيادة الواردات.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. قلب الشراكة

وفي تحليله للجانب الاستثماري، أكد رجل الأعمال طارق فتحي أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل واحدة من أهم الأوراق التي تمتلكها مصر في التعامل مع الاستثمارات الصينية.

وأشار إلى أن الموقع المصري يمنح الشركات الصينية ميزة لا تتوافر بسهولة في العديد من الأسواق الأخرى، فمصر تقع في نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمتلك قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية والبنية الأساسية اللازمة للتصنيع والخدمات اللوجستية.

ويرى فتحي أن هذه العناصر يمكن أن تجعل مصر قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية إلى أسواق واسعة في أفريقيا والدول العربية وأوروبا.

ولفت رجل الأعمال طارق فتحي إلى أن الوجود الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة في منطقة تيدا، أثبت أن التعاون بين البلدين تجاوز بالفعل مرحلة العلاقات التجارية التقليدية.

وأوضح أن المرحلة القادمة يجب أن تستهدف جذب المزيد من المشروعات التي توفر فرص عمل، وتزيد المكون المحلي، وتنقل التكنولوجيا، وتنتج من أجل التصدير.

الرسالة الأهم: «صنع في مصر»

وفي هذا السياق، قال طارق فتحي إن إحدى أهم الرسائل الاقتصادية التي تحملها زيارة الرئيس الصيني هي إمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها «صنع في مصر».

وأوضح الخبير الاقتصادي أن مصر تستطيع الجمع بين رأس المال والخبرة والتكنولوجيا الصينية وبين الموقع الجغرافي المصري والسوق المحلية الكبيرة والعمالة والقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وأضاف أن النموذج الأكثر فائدة لمصر هو أن يأتي المستثمر الصيني إلى مصر بمصنع وخط إنتاج وتكنولوجيا وتدريب وسوق تصديرية، وليس فقط بمنتج جاهز للبيع في السوق المحلية.

وأكد طارق فتحي أن الاستثمار الحقيقي هو الذي يترك وراءه صناعة وقدرات بشرية وتكنولوجيا وفرص عمل وصادرات.

ماذا تريد مصر من الصين؟

وبحسب قراءة المحلل طارق فتحي ، فإن المصالح الاقتصادية المصرية من الشراكة مع الصين يمكن تلخيصها في عدة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها جذب الاستثمارات الصناعية الكبرى، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات المصرية، وتوطين سلاسل الإنتاج، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير.

وأشار فتحي إلى أن مصر تحتاج بشكل خاص إلى الاستثمارات الصينية في الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، والطاقة الجديدة، والصناعات الهندسية والإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، ومكونات السيارات، وغيرها من القطاعات التي يمكن أن تحقق لمصر قدرة تنافسية في الأسواق الخارجية.

وماذا تريد الصين من مصر؟

وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي طارق فتحي أن للصين مصالح واضحة في تعزيز حضورها الاقتصادي داخل مصر.

وأوضح أن الصين تبحث عن أسواق ومراكز إنتاج ومواقع استراتيجية تربطها بالأسواق العالمية، ومصر تجمع بين هذه المزايا في مكان واحد.

وقال فتحي إن مصر بالنسبة للصين ليست مجرد سوق تضم أكثر من 100 مليون نسمة، وإنما هي بوابة إلى أفريقيا والشرق الأوسط، ومركز مهم للتجارة العالمية، ودولة تمتلك قناة السويس.

وأضاف أن هذا يجعل الاستثمار الصيني في مصر جزءًا من رؤية أوسع لسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

اليوان.. بعد آخر للعلاقات الاقتصادية

وتوقف طارق فتحي عند ملف التعاون المالي بين البلدين، مشيرًا إلى أهمية تجديد اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني ورفع قيمتها إلى 30 مليار يوان.

وأكد الخبير الاقتصادي أن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة لأنها تفتح مساحة أكبر لاستخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار بين البلدين.

ويرى فتحي أن تطوير آليات التسوية المالية بين مصر والصين يمكن أن يدعم الشركات المصرية والصينية ويعزز حركة التجارة، خاصة مع ارتفاع حجم التعاملات الثنائية.

التكنولوجيا.. المعركة الحقيقية القادمة

وفي قراءة أخرى للزيارة، أكد طارق فتحي أن التكنولوجيا ربما تكون أهم ملف اقتصادي في المرحلة المقبلة.

وأوضح أن الصين أصبحت قوة عالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة الجديدة والتصنيع المتقدم، وأن مصر تستطيع الاستفادة من هذه الخبرة بصورة تتجاوز استيراد المنتجات.

وقال الخبير الاقتصادي إن القضية الأساسية يجب أن تكون نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المصرية.

وأضاف: عندما يتم إنشاء مصنع تكنولوجي في مصر، فإن القيمة الحقيقية لا تكون في المصنع وحده، وإنما فيما يتركه من خبرات ومهارات وتدريب وقدرة على تطوير المنتج محليًا.

وأشار طارق فتحي إلى أن هذا النوع من التعاون يمكن أن يساعد مصر على بناء اقتصاد أكثر تنافسية خلال السنوات المقبلة.

السياحة.. المتحف المصري الكبير يحمل رسالة خاصة

ومن الجانب السياحي، علق الخبير السياحي *طارق فتحي* على زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري الكبير، معتبرًا أن اختيار المتحف ضمن برنامج الزيارة يحمل دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي.

وأوضح أن مصر والصين دولتان تمتلكان حضارتين من أقدم الحضارات الإنسانية، وأن وضع التراث المصري أمام الرئيس الصيني بهذا الشكل يعكس عمق العلاقة الحضارية بين البلدين.

لكن، بحسب الخبير السياحي طارق فتحي، فإن الأهم هو تحويل هذا البعد الحضاري إلى مكاسب اقتصادية وسياحية.

وأشار إلى أن السوق الصينية تمثل فرصة كبيرة أمام السياحة المصرية، وأن زيادة أعداد السياح الصينيين تحتاج إلى تطوير المنتجات السياحية والتسويق للمقصد المصري داخل الصين، وزيادة الحركة الجوية، وتقديم برامج تتناسب مع احتياجات السائح الصيني.

وأضاف أن زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري الكبير يمكن أن تكون في حد ذاتها رسالة ترويجية قوية للمقصد السياحي المصري داخل السوق الصينية.

قناة السويس.. أكثر من مجرد ممر للسفن

وفي تحليل للبعد الاستراتيجي الاقتصادي، يرى رجل الأعمال طارق فتحي أن مصر يجب أن تعيد تعظيم العائد الاقتصادي من قناة السويس.

وأوضح أن القيمة المستقبلية للقناة لا يجب أن تقتصر على رسوم عبور السفن، وإنما يجب أن تمتد إلى التصنيع والخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير والطاقة والصناعات المرتبطة بالموانئ.

وقال فتحي إن الصين، بحكم اعتماد اقتصادها على التجارة والتصدير، تدرك أهمية موقع مصر، ولذلك فإن تطوير التعاون الصناعي حول قناة السويس يمكن أن يحقق مصالح مشتركة للجانبين.

الرسائل الخفية للزيارة

وفيما يتعلق بما يمكن وصفه بـ**«الرسائل الخفية»**، قال المحلل طارق فتحي إن الرسالة الأهم ليست سياسية بالدرجة الأولى، وإنما اقتصادية.

وأوضح أن الصين تريد أن تكون شريكًا في مستقبل الاقتصاد المصري، بينما تريد مصر أن تجعل الصين شريكًا في الإنتاج والاستثمار وليس مجرد مصدر للواردات.

وأضاف أن هناك رسالة ثانية تتعلق بقناة السويس، مفادها أن المنطقة يمكن أن تتحول إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم التجارة العالمية.

أما الرسالة الثالثة، بحسب طارق فتحي، فهي أن المرحلة المقبلة ستعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة.

الرسالة السياسية.. شراكة لا تعني الاستقطاب

وفي الجانب السياسي، يرى طارق فتحي أن زيارة الرئيس الصيني جاءت في توقيت دولي وإقليمي بالغ الحساسية.

وأوضح أن مصر والصين تؤكدان من خلال علاقاتهما الاستراتيجية أهمية احترام سيادة الدول، ودعم الاستقرار، وتعزيز دور دول الجنوب في النظام الدولي.

لكن فتحي شدد على أن تطوير العلاقات المصرية الصينية لا يعني أن مصر تستبدل شريكًا دوليًا بآخر.

وقال المحلل طارق فتحي إن قوة السياسة المصرية تكمن في تنويع الشراكات مع الصين وأوروبا والولايات المتحدة والدول العربية وأفريقيا، بما يحافظ على المصالح المصرية ويمنح القاهرة مساحة أكبر للحركة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مغادرة الرئيس الصيني

وأكد الخبير الاقتصادي طارق فتحي أن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها.

وقال إن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الزيارة.

كم مصنعًا جديدًا سيقام؟

كم مليار دولار من الاستثمارات الصينية الجديدة سيدخل مصر؟

كم فرصة عمل ستوفرها هذه المشروعات؟

كم سترتفع الصادرات المصرية إلى الصين؟

وكم من التكنولوجيا الصينية سيتم توطينها داخل مصر؟

وأشار فتحي إلى أن هذه المؤشرات ستكون المقياس الحقيقي لنجاح المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الصينية.

طارق فتحي: مصر أمام فرصة تاريخية

وفي ختام تحليله، أكد طارق فتحي أن مصر والصين تمتلكان فرصة حقيقية لبناء نموذج مختلف للعلاقات الاقتصادية.

وأوضح أن مصر تمتلك الموقع وقناة السويس والسوق والعمالة والقدرة على الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، بينما تمتلك الصين التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية وسلاسل الإمداد والأسواق.

ويرى رجل الأعمال طارق فتحي أن جمع هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى نموذج اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج المشترك والتصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا.

وأضاف أن العلاقات المصرية الصينية، بعد سبعين عامًا من بدايتها، تدخل مرحلة يمكن أن يكون عنوانها:

«من التجارة إلى الصناعة.. ومن الاستيراد إلى الإنتاج.. ومن الشراكة التقليدية إلى بناء اقتصاد مشترك يخدم مصالح البلدين».

وبحسب قراءة الخبير الاقتصادي طارق فتحي، فإن القيمة الحقيقية لزيارة الرئيس الصيني إلى مصر لن تظهر فقط في صور الزيارة أو نتائج الاجتماعات، وإنما في المشروعات التي ستولد عنها، والمصانع التي ستقام، والاستثمارات التي ستدخل، والمنتجات التي ستخرج من مصر إلى العالم.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة.. وهنا أيضًا يبدأ التحدي الحقيقي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى