Uncategorizedأخبار العالم
أخر الأخبار

عبدالله شلبي يكتب: "حين نوزّع صكوك السُّنة والبدعة بأيدينا"

كيف تتحوّل الخلافات الداخلية إلى أخطر سلاح ضد وعي الأمة

بقلم: عبدالله شلبي

 

عبدالله شلبي
عبدالله شلبي

ليست أخطر الحروب تلك التي تُشنّ علينا من الخارج،
ولا أعنف المؤامرات تلك التي تُحاك في الغرف المغلقة،
بل الأخطر دائمًا
ما نصنعه نحن بأيدينا،
ونمنحه لخصومنا دون أن نشعر.

في واقعنا المعاصر،
لم تعد وحدة الأمة تُهدَّد فقط بالقوة العسكرية،
ولا بالضغط الاقتصادي،
ولا بالحصار السياسي،
بل تُهدَّد يوميًّا
بصراعات داخلية صغيرة في ظاهرها،
عميقة في أثرها،
مدمّرة في نتائجها.
خلاف بين داعيتين،
نزاع بين مدرستين فكريتين،
جدل حول مسألة فرعية،
فتتحوّل القضية من بحثٍ عن الحق
إلى معركة كرامة،
ومن نقاش علمي
إلى حرب تصنيفات وتخوين.
هذا “معه” وذاك “ضده”،
هذا “من أهل السنة” وذاك “مبتدع”،
هذا “على المنهج” وذاك “منحرف”،

وكأن الدين صار بطاقة انتماء،
لا رسالة هداية،
وساحة صراع،
لا مساحة رحمة.
ومن أخطر صور هذا التفكيك الداخلي
أننا صرنا نختلف أمام الناس،
ونتصارع أمام الملايين،
ونكشف خلافاتنا على الشاشات والمنصات،
فنحوّل بيوتنا الفكرية
إلى بيوت من زجاج.
مشهد يتكرّر: عالِم يُهاجَم لا لخطأٍ جسيم،
بل لاجتهادٍ محتمل،
داعية يُسقَط لا لانحرافٍ ثابت،
بل لزلةٍ عابرة،
مشروعٌ خيري يُحاصَر
لأنه لا ينتمي للتيار “الصحيح” في نظر البعض.
فنخسر العالم،
ونحرق الداعية،
وندمّر المبادرة،
ثم نتساءل:
لماذا ضعُف الخطاب؟
ولماذا ضاع التأثير؟
ولماذا تراجع الحضور؟
لأننا ـ ببساطة ـ
نمارس الإقصاء أكثر مما نمارس الإصلاح،
ونتفوّق في الهدم
على البناء،
وفي التشهير
على النصح.

ومن منظور ديني اجتماعي،
فإن هذا المشهد لا يُضعف الأفراد فقط،
بل يُشوّه صورة الدين نفسها،
في أعين الشباب قبل غيرهم.
الشاب الذي يرى الدعاة يتصارعون،
والمشايخ يتبادلون الاتهامات،
والتيارات تتناحر،
سيسأل في صمت: أين الحق؟
وأين القدوة؟
وأين الطريق؟
ومع الوقت،
قد لا ينحاز لأحد،
بل ينسحب من الجميع.
وهنا تكون الخسارة مضاعفة: لا انتصرنا لرأينا،
ولا حفظنا أبناءنا.
القرآن لم يطلب منا أن نكون نسخة واحدة،
ولا أن نفكّر بعقل واحد،
بل طلب منا أن نختلف بوعي،
ونتحاور بأدب،
ونتناصح بصدق،
ونتراحم رغم التباين.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
لم تكن دعوة لإلغاء العقول،
بل لحماية القلوب من التمزّق.
نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من “المنتصرين” في المعارك الكلامية،
بل إلى حكماء يطفئون الحرائق،
ويجمعون الشمل،
ويردّون الخلاف إلى حجمه الطبيعي.
نحتاج إلى دعاة يصنعون الجسور لا الخنادق،
وإلى علماء يعلّمون الناس كيف يختلفون،
لا كيف يتقاتلون.
إن أخطر ما يهدد وعينا اليوم
ليس تعدد الآراء،
بل غياب أخلاق الاختلاف.
ولن تقوم للأمة قائمة
إذا ظلّت تستنزف نفسها
في صراعات داخلية لا تنتهي،
بينما قضاياها الكبرى تنتظر من يحملها.

 

المقال القادم

يناقش كيف يؤدّي غياب القدوة الصادقة إلى فقدان ثقة الشباب في الخطاب الديني، وتحويل التدين من رسالة حياة إلى شعارات جوفاء

 

تنويه

تأتي هذه المقالات ضمن مشروع الوعي الديني،
لتصحيح المفاهيم، وترسيخ الفهم الوسطي، وبناء عقلٍ ناقدٍ يحصّن المجتمع من التطرف والتضليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى