بين التحول الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي.. رؤية المستشار كريم البحيري لمستقبل العدالة الناجزة

بين التحول الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي.. رؤية المستشار كريم البحيري لمستقبل العدالة الناجزة
بقلم: المستشار كريم البحيري
المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا
لم يعد التشريع منظومة جامدة تقف عند حدود النصوص التقليدية، بل أصلح إطارًا ديناميكيًا يتشكل باستمرار لمواكبة التغيرات المجتمعية والتقنية. وفي عصر تتسارع فيه التحولات الرقمية، تبرز الحاجة الملحة لتحقيق معادلة دقيقة: السرعة في حسم المنازعات دون الإخلال بضمانات الحقوق والحريات.
وفي هذا الطرح، يقدم المستشار كريم البحيري، المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا، قراءة شاملة لأبرز التحولات التشريعية والقضائية التي تشكل ملامح العدالة الحديثة، بدءًا من تطوير منظومة التقاضي وصولًا إلى مواجهة التحديات السيبرانية المستحدثة.

1. استئناف الجنايات: خطوة فارقة في مسار العدالة الناجزة
يُعد تطبيق نظام التقاضي على درجتين في المحاكمات الجنائية تحولًا مفصليًا في الفلسفة القضائية، حيث يمنح المتهمين ضمانة إضافية تكفل مراجعة الأحكام وإعادة فحص الأدلة والبراهين أمام درجة قضائية أعلى.
وأوضح المستشار كريم البحيري أن هذا التعديل يقلل من فرص الخطأ القضائي، ويزيد من مستوى الدقة والشفافية، مما يعزز ثقة الشارع في المنظومة القضائية وفق ضوابط قانونية صارمة.
2. عصر “القضاء الرقمي”: تكنولوجيا لحماية الحقوق لا لإلغائها
تتحول المحاكم تدريجيًا نحو البيئات الرقمية، وهو ما يجاوز فكرة الاستغناء عن الأوراق إلى إعادة هيكلة آليات العمل القضائي بالكامل.
ويرى البحيري أن نجاح هذه التجربة يعتمد على عدة محاور أساسية:
حماية البيانات: ضمان السرية التامة للمستندات الإلكترونية وأطراف الخصومة.
إثبات الهوية: الاعتماد على آليات ميكنة دقيقة للتحقق من أطراف الدعوى.
الحجية القانونية: إرساء قواعد تشريعية تحمي المحررات الرقمية وتمنحها قوة الإثبات القانوني.
3. الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق: ثورة تقنية وتحديات قانونية
أفرز الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق (Deepfake) ظواهر معقدة كالتشهير، والابتزاز، وانتهاك الحرمات الشخصية عبر صناعة محتوى مضلل يصعب تمييزه.
وينبه المستشار كريم البحيري إلى أن التطور التقني لا يبيح بحال من الأحوال المساس بحقوق الأفراد. وأكد أن التكييف القانوني لهذه الجرائم المستحدثة لا يخضع لقالب ثابت، بل يتوقف على أركان كل واقعة والظروف المحيطة بها والوسيلة المستخدمة.
4. الخصوصية الرقمية: خط فاصل بين الحرية والمسؤولية
في ظل استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، تتزايد السلوكيات المتعلقة بتسجيل المحادثات أو التقاط الصور وتعديلها دون علم أصحابها تحت مسمى المزاح أو الترفيه.
وحذر البحيري من أن هذه الأفعال قد تتجاوز نطاق المسؤولية المدنية والتعويض عن الأضرار لتصل إلى المسؤولية الجنائية كاملة الأركان. فالحرية الشخصية تنتهي فور الاعتداء على خصوصية الآخرين.
5. الفلسفة العقابية الحديثة: من الإيلام إلى الإصلاح
شهد المفهوم الجنائي تحولًا من فكرة الجزاء إلى التأهيل والإصلاح. ويتجلى هذا التطور في التوسع في تطبيق العقوبات البديلة والخدمة المجتمعية.
وأكد المستشار كريم البحيري أن هذا التوجه يوازن بين حق المجتمع في الردع العام والخاص، وحق المحكوم عليه في إعادة الدمج والصلح مع المجتمع، متى سمحت طبيعة الجريمة بذلك.
6. نشر الوعي القانوني: حصن المجتمع الأول
إن مواكبة هذه التغيرات تفرض على رجال القانون مسؤولية مجتمعية متمثلة في تبسيط المفاهيم ونشر الثقافة القانونية. فالوعي بالحقوق والواجبات هو خط الدفاع الأول للحد من النزاعات، وتجنب الوقوع تحت طائلة القانون، وتفنيد الشائعات والمعلومات المغلوطة المنتشرة عبر وسائل التواصل.
رؤية للمستقبل
يختتم المستشار كريم البحيري طرحه بتأكيد أن “العدالة الناجزة” لا تعني التعجل على حساب الضمانات الدستورية، بل تعني الاستفادة القصوى من الأدوات الرقمية والتشريعات الحديثة للوصول إلى الحق بأسلوب ناجز، دقيق، وعادل.








