حادث الدواويس.. عندما تتحول «لقمة العيش» إلى طريق للموت
18 ضحية و30 مصابًا.. رقم جديد يضاف إلى سجل حوادث الطرق في مصر، لكن حادث الدواويس بالإسماعيلية لا يجب أن يمر كخبر عابر في صفحات الحوادث.
لم تكن الكارثة مجرد تصادم بين سيارتين على أحد الطرق، بل كانت مأساة إنسانية كاملة، بعدما اصطدمت سيارتا ربع نقل كانتا تقلان عمالًا يومية متجهين إلى أعمالهم، لتنتهي الرحلة بمقتل 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين.
والأكثر إيلامًا أن هؤلاء الضحايا لم يكونوا في طريقهم إلى نزهة أو رحلة ترفيهية، وإنما كانوا يبحثون عن لقمة العيش، يحملون أحلام أسر كاملة على أكتافهم، فإذا بالطريق يتحول في لحظات إلى مأساة تفتح من جديد ملف نقل العمال وظروفه ومدى الالتزام باشتراطات السلامة.
وبحسب ما انتهت إليه تحقيقات النيابة العامة، فإن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى السيارتين تسبب في انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى.
لكن السؤال الذي يجب ألا يتوقف عنده التحقيق هو: هل كان انفجار الإطار هو كل القصة؟
أم أن هناك أسئلة أكبر يجب الإجابة عنها؟
هل خضعت السيارتان للفحص الفني قبل تشغيلهما؟ وهل كانت حمولتهما البشرية متوافقة مع اشتراطات السلامة؟ وهل نقل العمال في الصناديق الخلفية لسيارات الربع نقل أصبح أمرًا معتادًا لا يلتفت إليه أحد إلا بعد وقوع الكارثة؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد، وإنما محاولة للوصول إلى الحقيقة ومنع تكرار المأساة.
فالحادث كشف جانبًا مؤلمًا من واقع العمالة اليومية؛ أشخاص يخرجون في الصباح بحثًا عن مائة جنيه أو رزق يومهم، وقد يدفعون في المقابل أغلى ثمن، وهو حياتهم.
الأخطر أن بين الضحايا أطفالًا دون سن الثامنة عشرة، وهو ما يجعل القضية تتجاوز حادث طريق إلى ضرورة مراجعة منظومة تشغيل ونقل العمالة، والتأكد من عدم تعريض الأطفال أو أي عامل للخطر أثناء انتقاله إلى مكان عمله.
ليست المشكلة في الطريق وحده
كلما وقع حادث كبير، تبدأ الأسئلة المعتادة عن السرعة والطريق والسيارة والسائق، ثم تهدأ الضجة بعد أيام، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن المطلوب هذه المرة أن يكون حادث الدواويس جرس إنذار حقيقيًا.
نحن أمام 48 ضحية بين متوفٍ ومصاب، وأمام أسر فقدت أبناءها وأشقاءها وآباءها، وأطفال فقدوا عائلهم، وأسر أخرى تنتظر شفاء مصابين ما زالوا يتلقون العلاج.
ولا يكفي أن نقول: «الحادث قضاء وقدر».
نعم، الإيمان بالقضاء والقدر لا خلاف عليه، لكن الأخذ بالأسباب مسؤولية بشرية، ومراجعة الأخطاء ضرورة حتى لا يتحول الطريق المصري إلى مقبرة مفتوحة.
من المسؤول عن حماية العامل؟
العامل الذي يركب سيارة للذهاب إلى عمله من حقه أن يصل سالمًا.
ومن حق أسرته أن تطمئن عليه وهو خارج من منزله.
ومن واجب الجهات المعنية أن تضمن أن وسائل نقل العمال تستوفي شروط السلامة، وأن تتم محاسبة أي مخالف يضع أرواح المواطنين في خطر.
حادث الدواويس ليس مجرد رقم في إحصائية حوادث الطرق.
18 إنسانًا رحلوا، و30 آخرون أصيبوا، وعشرات الأسر يعيشون الآن واحدة من أصعب لحظات حياتهم.
لذلك يجب ألا ينتهي الأمر عند دفن الضحايا وخروج المصابين من المستشفيات.
المطلوب هو تحقيق شفاف، ومراجعة حقيقية لمنظومة نقل العمالة، وتشديد الرقابة على سيارات نقل العمال، والتأكد من سلامة المركبات قبل خروجها إلى الطرق.
رحم الله ضحايا الدواويس، وشفى المصابين، وحمى كل عامل يخرج صباحًا بحثًا عن رزقه.
لكن قبل أن نغلق ملف الحادث، علينا أن نسأل بصوت واضح:
كم حادثًا آخر نحتاج حتى نتحرك؟ وكم أسرة أخرى يجب أن تفقد عائلها حتى تصبح سلامة الإنسان أولوية لا تقبل التأجيل؟













