مشاهير

الاخلاق المؤجلة : حين يكبر الطفل مرتبكا عن بيت لا يقول ما يفعل .

الأخلاق المؤجلة: حين يكبر الطفل مرتبكًا عن بيت لا يقول ما يفعل

بقلم أحمد المصري 

في البيت المصري، لا تدخل القيم من الباب كقوانين واضحة، بل تتسلل من الشقوق… متغيرة، مرنة، وأحيانًا متناقضة. الطفل لا يتعلم ما هو الصواب بقدر ما يتعلم متى يكون الصواب مناسبًا. وهنا، لا تصبح التربية عملية بناء إنسان، بل تدريبًا مبكرًا على إدارة التناقض.

الأب الذي يوصي ابنه بالصدق كأعلى الفضائل، هو نفسه الذي يهمس له حين يرن الهاتف: “قول له مش موجود”. الجملة عابرة، لكنها تحمل درسًا عميقًا: الحقيقة ليست قيمة مطلقة، بل أداة تُستخدم أو تُخفى حسب الظرف. الطفل لا يكتشف الكذب هنا، بل يكتشف أن الصدق نفسه قابل للتفاوض.

وفي زاوية أخرى من نفس البيت، تُرسم حدود الحرية بخطين مختلفين. البنت تتعلم أن العالم مكان مريب، وأن حركتها يجب أن تُحسب بدقة، وأن صوتها يجب أن يمر أولًا عبر فلتر “العيب” و“كلام الناس”. بينما الولد يُدفع إلى الخارج، إلى التجربة والخطأ، إلى الاحتكاك بالعالم باعتباره معلمًا لا خطرًا. في الظاهر، يبدو الأمر كحماية مقابل ثقة، لكن في العمق هو توزيع غير معلن للأخلاق: واحدة تُراقَب، والآخر يُفترض فيه الصواب.

ثم تأتي المفارقة الأكثر إرباكًا: الطفل الذي يُطلب منه الطاعة طوال سنوات نشأته، يُفاجأ في لحظة ما بأنه مطالب بأن يكون “شخصية مستقلة”. كيف يمكن لعقل تعوّد على الامتثال أن ينتج قرارًا حرًا؟ وكيف لإنسان لم يُسمح له بالاختيار أن يتحمل مسؤولية اختياراته؟ هنا، لا تكون الأزمة في سلوك الطفل، بل في التصور ذاته: هل نريد إنسانًا يفكر، أم نسخة مطيعة تُجيد التنفيذ؟

ولا تكتمل الدائرة دون تلك الجملة الشهيرة: “شوف ابن خالتك…”. المقارنة التي تبدو في ظاهرها تحفيزًا، هي في حقيقتها إعادة تعريف للذات. الطفل لا يُطلب منه أن يكتشف إمكاناته، بل أن يقترب من نموذج جاهز. ومع تكرار هذا النمط، ينمو وهو لا يرى نفسه كما هي، بل كما يجب أن تكون في مرآة الآخرين. وهكذا، تتحول القيمة من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى المقارنة.

حتى الخطاب الديني، الذي يُفترض أن يكون مصدرًا للثبات، يدخل أحيانًا في هذه الازدواجية. مرة يُقدَّم كمعنى روحي يزرع الطمأنينة، ومرة يُستخدم كأداة تهديد: “ربنا هيعاقبك”. فيتعلم الطفل أن الدين ليس علاقة فهم أو حب، بل نظام رقابة. يخاف من الخطأ، لكنه لا يفهم لماذا هو خطأ. يمتثل، لكنه لا يقتنع.

وفي مفارقة أخيرة، يطالب الأب بحقه الكامل في الخصوصية، رافضًا تدخل الآخرين في شؤونه، بينما لا يرى غضاضة في اقتحام عالم أبنائه: تفتيش الهواتف، مراقبة الأحاديث، وفرض السيطرة باسم الخوف أو الحرص. وكأن الخصوصية ليست مبدأ عامًا، بل امتياز يُمنح لمن يملك السلطة.

كل هذه المشاهد ليست استثناءات، بل ملامح متكررة لحياة يومية مألوفة. لكنها تكشف عن خلل أعمق من مجرد تناقض في السلوك. إنها تشير إلى غياب تعريف ثابت للقيم. في بيئة تتغير فيها المعايير حسب الموقف، لا ينشأ الإنسان بسؤال: “ما هو الصحيح؟”، بل بسؤال أكثر براجماتية: “متى يكون الصحيح مفيدًا؟”

وهنا تتحول الأخلاق من بوصلة تهدي الطريق، إلى أداة تُستخدم عند الحاجة. يكبر الإنسان وهو قادر على التكيف، نعم… لكنه أيضًا يحمل داخله ارتباكًا صامتًا: لا يعرف إن كان ما يفعله صحيحًا لأنه صواب، أم لأنه فقط… مناسب.

ربما المشكلة ليست في أن الأسرة المصرية تُخطئ، فهذا طبيعي في كل المجتمعات،

بل في أنها نادرًا ما تعترف بأن ما تفعله يحمل تناقضًا.

تُمارس الازدواجية باعتبارها حكمة، لا إشكالًا.

وفي لحظة صدق نادرة، قد نحتاج أن نسأل:

هل نُربّي أبناءنا على القيم…

أم نُربّيهم على النجاة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى