Abortion

تحت راية التنوير … كيف يُعاد تشكيل الوعي الإسلامي من الداخل ؟

أيمن شاكر

Oplus_0

بقلم ✍🏻 الكاتب الصحفى أيمن شاكر

لا شك أن وعد الله بحفظ هذا الدين هو الحصن الحصين والدرع المتين الذي تطمئن إليه القلوب في خضم عواصف الشبهات ، فـ “الإسلام” بوصفه رسالةً خاتمةً وشرعةً كاملةً محفوظ بحفظ الله القائل : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. لكن السؤال المحوري الذي ينبغي أن يشغل بال النخب الفكرية والمؤسسات العلمية اليوم لا يتعلق بمواجهة “الإلحاد الصريح” فحسب ؛ فالإلحاد بصفته موقفًا فلسفيًا معلنًا مناقضًا للوحي ، هو خصم واضح المعالم ، يمكن رده بالحجة والبرهان ، ويمكن تحييد خطره بوضوح المسافة الفاصلة بين الإيمان والجحود .

🩸فإن الخطر الأعمق والأكثر تعقيدًا ، والذي بات يهدد بنية الفكر الديني ذاته ، يتمثل في تيار جديد يستتر خلف ستائر لامعة ، ويتسلل إلى العقل الجمعي من بوابة “التجديد” و”القراءة المعاصرة” و”تنقية التراث”، وعلى رأس هرم هذا التيار يأتي الطرح الفكري لمحمد شحرور ومركز تكوين ومن سار على دربهم .

📍إن جاذبية هذا الخطاب لا تكمن في عمقه المعرفي بقدر ما تكمن في براعة تغليفه ، فهو يقدم نفسه لا كنقيض للدين ، بل كطبيب يُجري جراحة عاجلة لإنقاذ “الجوهر” من “القشور” .

هو خطاب يغازل رغبة العصر في التحرر من قيود الماضي، ويوهم المتلقي غير المتخصص بأن أربعة عشر قرنًا من الجهود العلمية الرصينة لم تكن سوى تراكمات بشرية قابلة للشطب ، وأن فهم النص القرآني لا يحتاج إلى أدوات منهجية صارمة ، بل إلى “براءة معرفية” وقراءة معجمية لغوية منفصلة عن سياقات التنزيل والتلقي .

إن الإشكالية الجوهرية في هذا المنهج ليست في الدعوة إلى الاجتهاد ؛ فالاجتهاد فريضة شرعية وضرورة حضارية ، ولا هي في نقد الموروث نقدًا علميًا محايدًا ، فالتراث ليس معصومًا . بل المشكلة الحقيقية تكمن في المنهج ذاته ؛ منهج الإقصاء الممنهج لـ “السنة النبوية” – وهي بحكم النص القرآني وحي منزل وبيان مفصل للذكر الحكيم – ثم الادعاء بعد ذلك بالقدرة على فهم كتاب الله فهمًا تامًا منفصلًا عن بيان النبي ﷺ ، ومنفصلًا عن إجماع الأمة وممارستها العلمية الممتدة . إنه ادعاء خطير يختزل الدين في “نص ساكت” يُستنطق بأهواء القارئ لا بقواعد التأويل.

حينما تُفصل السنة النبوية – قولًا وفعلًا وتقريرًا – عن القرآن ، فإننا لا نحرر النص ، بل نبتره من سياقه التطبيقي ، وحينها فقط يُفتح الباب على مصراعيه ليس “لتفسير” القرآن ، بل لإعادة تشكيل الدين من الصفر .

تغدو العبادات مجرد طقوس رمزية قابلة للتأويل الوظيفي ، وتصبح الأحكام الشرعية تاريخانية عابرة ، ويُصبح “الحلال” و”الحرام” نسبيين يخضعان لمعيار “المصلحة” المعاصرة وفق تصور المفكر الفرد .

عند هذه النقطة لا يبقى من النص المقدس إلا ما يوافق هوى العصر ومزاج الحداثة السائلة ؛ فما تعسّر فهمه أو تعارض مع النموذج المعرفي الغربي يُتهم بأنه نتاج الفهم التراثي المغلوط ، لا أنه حكم إلهي ثابت .

هذا ليس تجديدًا للدين ؛ التجديد هو إحياء ما اندرس من معالمه مع الثبات على أصوله ، بل هذا تفكيك ممنهج من الداخل ، يضرب ثوابت الفهم والتلقي قبل أن يطعن في النص المقدس نفسه. إنه أخطر من الجحود المعلن ، لأنه يجرد الأمة من مرجعيتها التشريعية بلغتها الخاصة ، ويحول “الدين” إلى مجرد هوية ثقافية مرنة ، أو فلسفة أخلاقية بلا شعائر ولا حدود.

Oplus_131072

وختامًا … فإن سفينة هذا الدين لا تخشى الأمواج العاتية ما دام ربانها ممسكًا بدفتي الوحيين :-

كتاب الله وسنة نبيه ، إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أولئك الذين يرشقون السفينة بالحجارة من الشاطئ الآخر ، فأصواتهم يذهب صداها في لجج البحر . الخطر الحقيقي هو فيمن يتسلقون جدار السفينة من الداخل ، حاملين فؤوسًا مذهبة باسم “الإصلاح”، ليحدثوا في هيكلها ثقبًا لا يظهر للعيان ، ثقبًا يغرق الجميع بصمت . فلنكن على يقين أن الأمة التي جعلها الله شاهدة على الناس ، لا يليق بها أن تفرط في “بيان” نبيها ثم تدعي القدرة على “فهم” كتاب ربها . إن الهدوء الذي يسبق العاصفة لا يعني أمانًا ، بل هو داعٍ للتيقظ ، فاليقظة في زمن التشكيك ليست خيارًا فكريًا ، بل هي فريضة وجودية .

سنلتقى إن كان في العمر بقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى