الاحتواء مش رفاهية…. دة أساس الاستقرار د. عبدالرحمن عبدالله عوضون
خبير التنمية البشرية والإرشاد الأسري والمحاضر الدولي المعتمد
في عالمٍ تتسارع فيه الضغوط، وتتزايد فيه التحديات، لم يعد الإنسان يبحث فقط عن النجاح أو المال، بل أصبح يبحث — قبل أي شيء — عن شعور عميق بالأمان… عن حضن معنوي يحتويه حين يضعف، وعن كلمة ترفعه حين ينكسر. هنا يظهر “الاحتواء” ليس كترف عاطفي، بل كحاجة إنسانية أصيلة، وكركيزة أساسية لاستقرار الفرد والأسرة والمجتمع.
الاحتواء ليس مجرد كلمات لطيفة، ولا مجاملات عابرة، بل هو موقف… هو وعي… هو فنّ الإصغاء دون إصدار أحكام، وفنّ الحضور الكامل دون تشتت، وفنّ القبول رغم الاختلاف. هو أن تقول للآخر: “أنا معك” دون أن تنطقها، وأن يشعر بك حتى في صمتك.
كم من بيوتٍ هدمها غياب الاحتواء، رغم توفر المال والمظاهر! وكم من علاقاتٍ انهارت لا بسبب الخلاف، بل بسبب طريقة إدارة الخلاف! فالمشكلة ليست في أن نختلف، بل في أن يشعر أحدنا أنه وحده في ساحة المعركة.في العلاقات الزوجية، الاحتواء هو صمام الأمان الحقيقي.الزوجة لا تحتاج فقط لمن يوفر لها حياة كريمة، بل لمن يشعر بها، يقرأ ما بين سطور صمتها، يلاحظ تغير نبرة صوتها، ويحتوي تقلباتها دون سخرية أو تقليل.
والزوج لا يحتاج فقط لمن تقدّر مجهوده، بل لمن تحتوي ضعفه، وتدعمه حين تتكاثر عليه الضغوط، لا أن تحاسبه وكأنه آلة بلا مشاعر.
وفي تربية الأبناء، الاحتواء هو الفارق بين طفلٍ سويّ وواثق، وآخرٍ مضطرب يبحث عن ذاته في أماكن خاطئة.
الطفل الذي يُحتوى لا يخاف من الخطأ، لأنه يعلم أن هناك من سيفهمه قبل أن يحاسبه.
أما الطفل الذي يُقابل بالرفض والقسوة، فيتعلم أن يخفي، أن يكذب، أن يهرب… لا لأنه سيئ، بل لأنه لم يجد من يحتويه.
الاحتواء لا يعني الضعف، بل هو قمة القوة.
أن تتحكم في رد فعلك، أن تختار الرحمة بدل القسوة، أن تقدّم الفهم على الاتهام… هذا يتطلب وعيًا عاليًا ونضجًا حقيقيًا.
وللأسف، كثيرون يظنون أن الاحتواء يعني التنازل المستمر أو فقدان السيطرة، فيرفضونه بدعوى “الحزم”، بينما الحقيقة أن الاحتواء والحزم ليسا ضدين، بل جناحان متكاملان؛ فالحزم بلا احتواء قسوة، والاحتواء بلا حزم فوضى.
الاستقرار النفسي لا يُبنى بالقوة، بل يُبنى بالاحتواء.
والعلاقات لا تستمر بالكمال، بل تستمر بالفهم.
والبيوت لا تُحمى بالجدران، بل تُحمى بالقلوب التي تعرف كيف تحتوي بعضها.
إذا أردت أن تُصلح بيتك… ابدأ بالاحتواء.
إذا أردت أن تربي أبناءً أصحاء نفسيًا… ازرع فيهم الاحتواء.
إذا أردت أن تحافظ على علاقة… تعلّم كيف تحتوي، لا كيف تنتصر.
لن يتذكر الناس كم كنتَ قويًا في جدالك،
لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف احتويتهم في ضعفهم.
الاحتواء… ليس رفاهية، بل لغة النجاة في زمنٍ قاسٍ. د. عبدالرحمن عبدالله عوضون “خبير التنمية البشرية وأخصائي الإرشاد الأسري”


